النيروز ...ثقافة وتأريخ ضارب بجذور الزمن - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

النيروز …ثقافة وتأريخ ضارب بجذور الزمن

الدكتور عادل الكردي

أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً
مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَــــــلَّما
وَقَد نَبَّهَ النَيروزُ في غَلَسِ الدُجى
أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُــــــــوَّما
يُفَتِّقُها بَردُ النَدى فَكَأَنَّــــــــــــــــهُ
يَبُثُّ حَديثاً كــــــــــانَ أَمسِ مُكَتَّما
وَمِن شَجَرٍ رَدَّ الرَبيعُ لِباسُــــــــهُ
عَلَيهِ كَما نَشَّرتَ وَشياً مُنَمــــــنَما
أَحَلَّ فَأَبدى لِلعُيونِ بَشاشَــــــــــةً
وَكانَ قَذىً لِلعَينِ إِذ كانَ مُحــــرَما
وَرَقَّ نَسيمُ الريحِ حَتّى حَسِبتَـــهُ
يَجيءُ بِأَنفاسِ الأَحِبَّـــــــــــــةِ نُعَّما

هكذا وصف البحتري الشاعر العباسي عيد النروز شعراً حتى كاد العيد ان يتكلما !

إتفق العلماء المختصين بعلم الأساطير والتاريخ العام، على أن ” ألنروز ” هو أقدم الأعياد في تاريخ البشرية، وقد خرج من رحم كردستان، التي شاء الله تعالى أن ترسو على أحد جبالها “آرارآت” في اقصى الشمال العراقي ضمن أراضي الدولة التركية الحالية، سفينة نوح عليه السلام، الذي بدأ حقبة جديدة بتأريخ الإنسانية، حيث خرج من ذريّته جميع الأجناس البشرية التي نراها اليوم، ومن أشهرها على الإطلاق الأمة الكوردية، التي تشكّلت نتيجة تفاعلات إجتماعية بين بعض الشعوب الكنعانية، التي إمتزجت فيها الدماء الآريّة والساميّة، وتُعتبر الأمة الكوردية الأمة الوحيدة التي تمكّنت من المحافظة على أصولها وجذورها التاريخية وثقافتها ولغتها، على مدى ما يزيد على السبعة الأف عام، من بين الشعوب الكنعانية والآرية والسامية الأخرى، التي ظهرت في بلاد ما بين النهرين أو ” موسوبيتاميا ” كما أطلق عليها اليونانيون، والممتدة من آسيا الصغرى “تركيا الحديثة” مروراً ببلاد الشام التي شكّلت جسراً بين الحضارات الكنعانية وحضارات الفراعنة المصريين.
وقد إختلف العلماء على تحديد السلالات الكوردية، لكن المكتشفات الأثرية والدلالات والحثيات اللغوية والثقافية والأحداث التأريخية القديمة، تساعدنا على رسم تصوّر لتحديد الأصول العرقية لأمة جذورها ضاربة بالتاريخ على مدى ألآف السنين. وقد إنحدر الأكراد من مجموعتين عرقيتين رئيسية هي :
العرق السامي من خلال الإيلاميين او العلاميين من إيلام / علام، وهو الإبن الأول لسام بن نوح عليه السلام ( أنظر سفر التكوين / الإصحاح العاشر الآية 22) . وقد سكن الإيلاميين جبال زاغروس الكردستانية، وقد كانوا قريبين من شعوب الهيدالو الساميين، مما يعزّز نظرية أنهم أحدى القبائل الكوردية المنحدرة من الجنس السامي، والتي كانت تعرف آنذاك بإسم الكوتيين او الكوهتيين والتي تعني أبناء الجبال، وهذا الشاهد هو أحد الدلالات اللغوية، حيث ان كلمة ” كو” باللغة الكوردية تعني جبل ، وقد أقام هؤلاء الاكراد مملكة عيلام الكوردية قبل ما يزيد على 5000 الاف عاماً قبل الميلاد،وعرفوا بالسومرين وقد إمتدت مملكتهم على مساحات شاسعة، شملت إيران والعراق وبلاد الشام والمناطق الشرقية التركية.

ثانياً : العرق الآري، وقد إنحدر منه نسل أشكيناز بن جومر بن يافث بن نوح ،وقد شكل القبائل السيمارية التي سكنت كردستان بالمناطق الشرقية من تركيا، وإرتحل بعضهم إلى أوكرانيا وأرمينيا والجزء الجنوبي الشرقي من القارة الأوروبية بشبه جزيرة البلقان واليونان وصولاً الى بلغاريا ورومانيا . وقد خرج يهود الأشكيناز او ما عرفوا ” بالخزر” من بين هؤلاء، وقد كوّن الأشكيناز مملكة ماني في أرارات كوردستان.
وكذلك القبائل الكوردية الميدية التي إنحدرت من مادي بن يافث بن نوح الشقيق الأصغر لأشكيناز، وقد كان الكورد الميدين على الديانة الزرفانيّة ( الإيمان بإلهين إله الخير وإله الشر) وقد قامت مملكتهم “ميديا” بين الأعوام 745- 550 قبل الميلاد، إلى تمكن الملك كورش الذي ينحدر من السلالة الفارسية الإخمينية من اسقاط الدولة الميدية بمساعدة المتآمريين الميديين الطامحين بالسلطة ، وقد تمكن الملك كورش من إحكام قبضته على الدولة من خلال أشاعة ان والدة الملك كورش ” مندان الكوردية العرق” شقيقة الملك إستياك / أزديهاك آخر الملوك الميديين، وأظهر الامر على أنه إمتداد للإمبراطورية الميدية ، ومع مرور الوقت تمكن الملك كورش من فرسنة الدولة الكوردية، وتحويل الديانة الرسمية للرعايا إلى الزردشتية.
ثم تمكن الكورد الميديين من القضاء على الدولة الإخمينية بعد قرابة ال700 وقاموا بتأسيس الإمبراطورية الساسانية على أنقاضها، وتوسعت الإمبارطورية لتشمل كل من ايران اليوم والعراق واجزاء من أرمينيا وأفغانستان بآسيا الوسطى والأجزاء الشرقية من تركيا اليوم والأجزاء الشماية الغربية من الهند المحاذية لإيران من الجانب الباكستاني الان والذي يسمى اليوم ببلوجستان، وقد سمّى الساسانيون إمبراطوريتهم بإيران شهر والتي تعني مدينة الآريين،والساسانيون ليسو فُرساً وإنما من الكورد البهلويين ( الفيليين)، ومؤسس السلالة الساسانية لقب نفسه ب ” كردان شاه ” اي ملك الكورد ، وتنحدر السلالة الساسانية من قبيلة شوانكاره التي لا زالت تقطن في سهول أصفهان . وقد حكم الساسانيون إلى أن سقطت دولتهم بأيدي المسلمين عام 637 م.
وعلى الرغم من محاولات كثير من الامم التآمر على الأمة الكوردية، وسرقة خيراتها وثقافتها، إلا أن الله كان ولا زال يحميها ! وقد ساهمت الشعوب الكوردية ببناء حضارات المنطقة ولعبت أدواراً حساسة، تركت آثارها وبصمتها على التاريخ الإنساني في جميع مراحل تطوره السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية وخصوصاً بعد إعتناق الكورد الدين الإسلامي . وما كان السومريون والميديون والساسانيون وبعض الشعوب التي ضاعت اوصولها وإمتزجت بالفارسية، إلا بعض أمثلة من الشعوب الكوردية.

وكما تعرضت الأمة للسطو على أراضيها وامجادها على حد قول المؤرخ آرشاك سافر أسياب الذي قال : ” ليس هناك شعب كالشعب الكوردي تشوّه تأريخه عن قصد من قبل الشعوب الأخرى ! التي لم تكتفي فقط بسرقة الأرض والأنساب والتأريخ بل طالت ايدهم تراثها وثقافتها !! والنروز اكبر مثال على ذلك وقد ساعدتهم عدة عوامل في تحقيق ذلك، منها تقارب ثقافات ولغات شعوب المنطقة.
فإذا تم إعلان يوم النيروز كعيد قومي للدولة الأخمينية الفارسية في عهد الملك المؤسس كورش الكبير عام 538م، فإن تموز هو أصل الحكاية وأصل التأريخ الكوردي، حيث كان يحتفل الكورد السومريون بموت وحياة تموز وعشتار في الحادي والعشرين من آذار من كل عام والذي يصادف اليوم الأول من الشهر الاول حسب التقويم السنوي الكوردي كالتالي يقابله التقويم العربي :

1 ) نوروز اي يوم جديد وبداية عام جديد ( آذآر)
2) جولان اي شهر التزهيير ( نيسان)
3) جوزران بداية إصفرار الربيع ( أيار)
4) بوشبه اي تيبّس النبات (حزيران)
5) خرمانان اي شهر حصاد القمح (تموز)
6) كلاويج ظهور نجمة كلاويج (آب)
7) ره زَبْر اي تزهير الحدائق (ايلول)
8) كلاريزان سقوط ورق الأشجار (تشرين أول)
9) سرماوز اي اي بداية البرد (تشرين ثاني)
10) بفرانبار اي تساقط الثلوج على المرتفعات (كانون أول)
11) ريبندان اي تراكم الثلوج بالطرقات (كانون ثاني)
12) رشمي اي نهاية العام (شباط)

وقد وافق النروز وباقي شهور التقويم الكوردي المظاهر الطبيعية في كوردستان ، وبما ان قصة تموز وعشتار السومرية أكثر قدماً من قصة جلجامش التي جاءت بالعصر الثاني السومري في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، فإن تموز وعشتار يعودان للألفية الخامسة او الرابعة قبل الميلاد … أما قصة كاوا الحداد مع الملك الميدي الظالم إدهاك او الضحاك او سرجون الذي كان يقدم ادمغة طفلين كل يوم للأفعيان الملتصقتان بظهره، ما هي إلا حادثة وافقت اول يوم بالنروز، على الرغم من عدم ثبوت صحة الحدث، حيث يعتقد كثير من المؤرخين أنه أحد آثار التزوير الذي طال الثقافة الكوردية، والشواهد على ذلك كثيرة، أهمها إختلاف الروايات حول مناسبة هذا العيد عند الشعوب التي تحتفل فيه، فالفارسيون يقيمون علاقة دينية له، واليهود يحتفلون فيه تحت اسم عيد الفصح، والأقباط المصريون كذلك، والفراعنة والصينيون ودول أسيا الوسطى، يحتفلون فيه إذاناً بدخول فصل الربيع .

ومهما حاولت الشعوب العبث بمصير أمّتنا وتاريخها وثقافتها، يبقى النروز يوماً جديداً، وبداية عام ٍ جديد، نستقبله كما إستقبله الآباء والأجداد على مدى سبعة الآف عام ٍ ، نستقبله بالفرح والبهجة وبكل جديد … عهد جديد ولباس جديد …تشتبك فيه ايدي الرجال والنساء، شيباً وشباباً يصدحون بأهازيج الفرح، وحكايا تموز وعشتار وكاوا، على أنغام اوتار المندولين، لتحيى الفرحة في قلوبنا من جديد. فالنروز يعني الحياة لأمتنا بكل تفاصيلها ..فهو رسالة الحياة والحرية ومواجهة الظلم والإستبداد والبحث عن أسباب الحياة .

دعونا نغني بصوت شاعرنا بيره ميرد أغنية النيروز :
نوروز
ئه م روزى سالي تازه يه ( هو ذا يوم العام الجديد )
نه وروزه هاته وه (نوروز قد عاد)
جه زنيكي كوني كورده (عيد كوردي عريق)
به خوشى و به ها ته وه ( كله سعادة وسرور ).

الصور من احتفالات شعوب مختلفة بعيد النيروز

اترك رداً