اعتذار ملكي مطلوب: المملكة أردنية وستبقى أردنية - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

اعتذار ملكي مطلوب: المملكة أردنية وستبقى أردنية

عبدالقتاح طوقان

الاستيقاظ على كارثة مصطلح “المملكة الهاشمية” الذي استخدمه الملك عبد الله الثاني يوم الأربعاء ٢٠ آذار ٢٠١٩، في الثانية الأربعين من الفيديو المرفوع على الشبكة العنكبوتية، أثناء حديثه في مدينة الزرقاء، والذي سقطت أو أُسقطت منه كلمة “المملكة الأردنية” واستعيض عنها ب “المملكة الهاشمية” بعد مقدمة من الملك ان المملكة (دون تحديد الأردنية) تتعرض لضغوط وهو شخصيا يتعرض لضغوط بعد عودته من أمريكا، أثارت بغضب أهل الأرض وأصحابها الحقيقيين.

و أُشير هنا لو كان الحديث نفسه في معان او اربد او السلط او الكرك أي من مدن أهل الأرض الطيبة لتمت مقاطعته على الفور من صغيرهم قبل شيوخهم الكبار سنا ومقاما، مطالبين فورا بتصحيح الخطاب بعكس ما تم في مدينة الزرقاء والتي بها أكبر تجمعات فلسطينية لم تنتبه الي ذلك وربما ليس من شأنها ولا يقع ضمن أولوياتها.

والمستغرب لم ينف الديوان الملكي التصريح، ولم يصدر عن الحكومة توضيح، ولم يكتب في الصحف او الاعلام، رغم أن الجميع يعلم بالوضع السيء الذي تمر به المملكة الأردنية وما يملى على الملك خارجيا ضمن مقاومة منه أنهكته ولا أحد يعرف الى اين المصير؟ فهل ذلك ناتج عن جهالة من هم في تلك المناصب أم تعمد، أم موافقة، أم أتت إليهم إشارات بالصمت. في كل الأحوال التعامل مع هذا الموقف بهذا الشكل والمضمون “مرفوض” ومسيء، وان كان غير مستغرب لان بعضهم يحمل اسم المنصب فقط ولا يديره وليس صاحب قرار، ان لم يكن أجبن من ان ينصح الملك بما حدث..

عموما من نعم الله في المملكة الأردنية ان القرار السياسي الحقيقي الذي يملى على الأردن في النهاية باعتبارها “المملكة الأردنية” قبل إضافة “الهاشمية” اليها بكرم من أبنائها ومبايعة عند استقبال الملك عبد الله الأول قادما من موطنه الحجاز، منبعه أصحاب الأرض الأردنية والعشائر خارج التجمعات “المؤقتة” والتي يرى البعض ان بها مكونات “موقوتة” ان لم تكن مدسوسة. لقد استخدم الملك عبد الله الثاني لفظ المملكة الأردنية الهاشمية عشرين عاما في كل خطاباته الداخلية، فهو يحفظها عن ظهر قلب، واستخدم “الأردن” في خطاباته في الأمم المتحدة دون “الهاشمية“، فلماذا تلفظ هذا اليوم ب” المملكة الهاشمية “، انه مصطلح سواء خطاء مقصود او غير مقصود، لا يجب ان يمر بدون توضيح و اعتذار.

وأذكّر هنا “الملك نفسه” بخطابه أثناء حفل جائزة تمبلتون في واشنطن، في ١٣ تشرين الثاني ٢٠١٨، وفي الدقيقة الثانية وأربع وثلاثين ثانية في الكاتدرائية حيث قال: “ان حياة الأردنيين مبنية على الاحسان المتبادل والوئام والمحبة والاخوة”. و أقصد ان الأردن هي الدولة الوحيدة في العالم وليس فقط العربية، بإحسانها ومحبتها واخوتها, هي التي استقبلت الهاشميين ومنحتهم “المكانة والتقدير“، في وقت تمت تصفيتهم وقتلهم وطردهم في مجازر في كل من بغداد بالعراق والطائف بالسعودية وسورية والهجوم عليهم في مصر وفلسطين و ليبيا و غيرها من الدول الشرق الأوسطية بما فيهم إسرائيل (الغاصبة لفلسطين) قبل و بعد توقيع اتفاقية وادي عربه.

وأود التأكيد هنا، ومن منطلق النصح للملك والحرص على المملكة الأردنية، انه لا يحق لاحد و لا يملك احد شرعية تغيير اسم المملكة وهي مملكة اردنية و ليست هاشمية في المقام الأول حسب التاريخ، و حسب قانون و تشريعات الدول، وأجدد التأكيد انه حتى الوصاية على القدس في اتفاقية السلام الإسرائيلية، عند صياغتها التي وافق عليها الملك الحسين الراحل بعد مراجعة الوفد المفاوض و من ثم في البرلمان الأردني، هي الوصاية الأردنية أولا و أخيرا و ليست الوصاية الهاشمية.

لا يوجد وصاية هاشمية في أي من بنود وادي عربه، و لا يوجد دولة هاشمية في تاريخ الأمم المتحدة وقاموس الشرق الأوسط، و انما دولة اردنية اضيف لها مسمي “الهاشمية”، و لذلك من الخطأ الحديث عن وصاية هاشمية على القدس و انما الأصل وصاية اردنية برعاية هاشمية، هنالك فرق و وفرق كبير. ومن الخطأ القول “المملكة الهاشمية” واسقاط الأردن.

و لعل هذا التصريح يفتح شهية السؤال حيث آن الأوان لمراجعة الاعلام و دوره، فهل كان تسمية تلفزيون الأردن “المملكة” و هو تلفزيون الأردن رسميا ومن موازنة الدولة الأردنية و من جيب المواطنين محاوله إعلامية ممهدة ومسبقة لتوجيه الرأي العام و ترسيخ فكرة “مملكة” غير اردنية؟ و من المسؤول عن ذلك الاسقاط المتعمد؟

فهل هذا يأتي استكمالا استباقا لمشروع اسقاط الهوية الأردنية، أم رغبة شخصية للتفرد؟ مما يفتح الباب على مصراعيه من يحكم ويوجه؟ ومن أتى بتلك الفكرة أولا الدجاجة ام البيضة؟ من سبق من في تلك الفكرة السيئة في نظر الأردنيين؟

في حفل أحد السفارات العربية وكان المرحوم الكاتب والصحفي الاقتصادي فهد الفانك من عام ١٩٩٤، حيث قال: “إن تصرفات الملك الحسين والتجنيس للفلسطينيين وعدم وضوح المعاهدة في بنود وادي عربه فيما يتعلق بالعلاقة الأردنية مع الفلسطينيين جعلت الملك الحسين يخسر العشائر وشرق الأردن, وقطعا لم يربح رضي الفلسطينيين”، انتهي الاقتباس.

هذا وضع الملك الحسين المقدس أربعين عاما من حكمه عند الأردنيين، رغم بعض الخلافات، فما بالكم مع غيره الذي يفتقد لتلك الحظوة و لم يتمكن من لملمة بقايا الإرث القائم على الاحسان المتبادل و المحبة و الاخوة، مع العلم و ضرورة التأكيد أن الأردنيين ليسوا سذج و عندهم خياراتهم والتي لا تنحصر فقط في “توجه شمال الأردن الى القرداحة السورية”, وتوجه الجنوب الي الدرعية “السعودية حيث للجنوب مقومات الدولة، و سبق رفع اعلام السعودية و سوريا في أزمات سابقة للتذكير ليس الا، انما خيارات تتعلق بالمملكة الأردنية ذاتها و التي ستبقى “المملكة الأردنية” سواء موحده او منفصلة.

حتى إذا فرض التوطين فلا يمكن للجنوب والذي يعادل ثلثي المملكة بقبول أي فرضيات او تغيير وان تبقى “المملكة الأردنية” والأردنية للأبد..

مطلوب اعتذار فوري من الديوان الملكي عن هذا الخطأ اللفظي وزلة اللسان غير مقصودة، ان كانت فعلا زلة لسان، مثلما اعتذر الرئيس جورج بوش وقال “أعتذر اعتذارا شديدا للمعلومات الخاطئة وزلة اللسان بأن الحرب على العراق هي حرب صليبية باسم المسيح والمسيحية”.

لو قيل قبل عشرات السنين أن الملك الحسين تلفظ “بالمملكة الهاشمية” لم اغتفر او تسامح معه الأردنيون، وعلينا أن نعترف بفشل رئيس الديوان الملكي ورئيس الحكومة مجتمعين ومنفردين باعتبارهما أقوى المتحدثون في الأردن في مواجهة الضرر الذي أحدثته هذه الكلمة وزلة اللسان. والتغاضي عن محاسبتهما هو الذي يمكن هذا الأداء “الناقص” من أفعال سيئة للغاية فيما يتعلق بكينونة “المملكة الأردنية” والتي هي اردنية اردنية تاريخيا وقبل استقبالها للهاشميين وقبل مؤتمر أم قيس في ١٩٢٠ وغيرها من أمور في اعتقادي كلاهما يجهلونها بينما يحفظها عن ظهر قلب أبناء العشائر والأردنيين.

إنها مشكلة خطيرة في التاريخ الأردني، خاصة في وجهة النظر المخيفة وراء الكواليس حول كيف يمكن للسياسات الغامضة والسياسات الشاملة في صفقة القرن أن تفسد تاريخ الأردن ومستقبله في هذا العصر الذي يزداد فيه الاحتكارات الفلسطينية على حساب الأردن، مع وجود نظرة واضحة على “هل أن يكون الأردن أو لا يكون.”

ما حدث من زلة لسان او عفوية او قصد، ودون توضيح ومعالجة، هي انتحار مفروض كمن أجبر طيار على القفز دون مظلة، ويهدد الاستقرار ويساهم في الكشف عن مواقف مختلفة بين الناس الذين يعتقدون انهم يضحكون على العشائر وأولئك الذين يبكون على الوطن -الذي أفاعيه التي زرعت في أحشائه تعمل على إضاعته – بينما أبناؤه وأصحاب الأرض يفدونه بدمائهم.

المملكة الأردنية اردنية، يا سادة.

اترك رداً