'حكاية' العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

‘حكاية’ العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية

عريب الرنتاوي

حكاية العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية لا تهدأ إلا لتُبعث من جديد، لكأنها “مسلسل” لا تنتهي حلقاته أبدا، فخلال أزيد من خمسين عاما مرت على سقوط الضفة الغربية والقدس في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، تعددت الصيغ والمبادرات، وتنوعت مصادرها، واختلفت أشكالها ومسمياتها.. بيد أن مضمونها ظل واحدا: كيف سيكون عليه شكل العلاقة بين ضفتي نهر الأردن في أية تسوية سياسية للقضية الفلسطينية؟

تعود الحكاية بقوة هذه الأيام مع اقتراب موعد الكشف عمّا يعرف بـ”صفقة القرن”، وما أثير مؤخرا في واشنطن ـ غرينبلات، مارتن إنديك ـ وعدد من عواصم المنطقة، أهمها عمّان، من سجالات ونقاشات حول هذا الموضوع.

أصل الحكاية

لم ينتظر الملك الراحل الحسين بن طلال طويلا بعد هزيمة حزيران عام 1967، حتى شرع في جهوده الدبلوماسية الرامية استرداد “الأمانة” التي وضعها الفلسطينيون في عنق جده الملك المؤسس، عبد الله الأول، فقبل نهاية تلك “السنة السوداء”، كان يحط في مطار القاهرة، ليلتقي رفقة نفر قليل من كبار مستشاريه بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ليعرض عليه بعضا مما يدور في خلده: إنه ينوي الذهاب إلى واشنطن، والاجتماع برئيس الولايات المتحدة ليندن جونسون، فيعرض عليه إتمام صفقة سلام ثنائية مع إسرائيل نظير استعادة الضفة الغربية والقدس، وأنه على استعداد لتحمل تبعات ما يمكن أن يترتب على خطوة كهذه، من تداعيات واتهامات وانتقادات.

عبد الناصر المُثقل بـ”عقدة الذنب” لمسؤوليته عن ضياع ما تبقى من أرض الفلسطينيين، وهو الذي خاض حرب 1967 لاسترداد أرضهم وتخليصهم من “الاحتلال الأول”، عبد الناصر الخارج من رحم أقسى هزيمة تعرض لها في حياته، لا شك أصابته الدهشة للعرض الجريء، بيد أنه لم يفكر طويلا قبل الإعراب عن تأييده له، وإبداء الاستعداد لدعم الملك في أية مواجهات لاحقة، إن أمكن له النجاح في مسعاه، وإن استطاع إقناع الأميركيين والإسرائيليين بإعادة الضفة الغربية والقدس إلى عرشه.

لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد، كما علمت من اثنين من أرفع المسؤولين الأردنيين الذين رافقوا الملك في تلك المرحلة، وفي زيارتيه للقاهرة وواشنطن… طار الملك إلى العاصمة الأميركية، وكان له ما أراد من اجتماعات مغلقة مع رئيسها الذي دُهش بدوره لـ”العرض الأردني الشجاع”، ولم يتنظر طويلا بدوره لإبلاغ رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول آنذاك، الذي استقبل بكثير من الارتياح عرض الملك توقيع معاهدة سلام ثنائية (منفردة) مع إسرائيل، بيد أن ارتياحه العارم، لم يخف تحفظه الشديد على إعادة الأراضي المحتلة للعرش الهاشمي، فعرض ترك أمر الأرض المحتلة والقدس مفتوحا لمفاوضات لاحقة.

كان الفكر السياسي لحكومة أشكول محكوما بمشروع إيغال ألون، الذي يقوم في جوهره على ضم القدس (ضُمّت في 30 حزيران/يونيو عام 1980) وبسط السيادة الإسرائيلية على غور الأردن حتى المنحدرات الشرقية لجبال نابلس وجنين، والاحتفاظ بالخليل لمكانتها الاستراتيجية، وترك ما تبقى من أراضي الضفة للأردن، ومن ضمن ترتيبات أمنية تبقي السيطرة والكلمة العليا لإسرائيل.

أخفقت محاولة الملك حسين المبكرة في استعادة الضفة والقدس، وباتت مهمة إطلاق أية محاولة جديدة، صعبة للغاية، لا سيما بعد صعود الحركة الوطنية الفلسطينية إثر الهزيمة وبفعل تداعياتها، وما تلاها من اعترافات عربية ودولية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني…

هذه الحقائق والمعطيات، تُسقط فرضية يجري تداولها بقوة من قبل بعض السياسيين الأردنيين، الذين يربطون رفض إسرائيل الانسحاب من الضفة بصعود منظمة التحرير والاعتراف بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني (مؤامرة كيسنجر كما تسمى)، فالملك وقبل قرارات الرباط 1974، سعى في استعادة الضفة الغربية والقدس، بيد أن مسعاه اصطدم بصخرة الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بالقدس ومناطق واسعة من الضفة تحت السيادة الإسرائيلية، وما كان للملك أن يفرط بأجزاء من الشطر الفلسطيني من “مملكته” خصوصا بعد صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وما كان له بالأخص، أن يتخلى عن القدس التي طالما نظر لها بوصفها مصدرا من مصادر شرعية عرشه الدينية، وفاخر برعايته لمقدساتها الإسلامية منها والمسيحية.

أدرك الملك أهمية ومغزى صعود الكيانية الفلسطينية، فسعى في إعادة ترتيب العلاقة الأردنية الفلسطينية بعد الشرخ العميق الذي أصابها إثر أحداث أيلول/سبتمبر 1970، فأعلن في العام 1972 عن مشروع “المملكة العربية المتحدة”، المكونة من قطرين، فلسطيني وأردني، عارضا لأول مرة، رسميا، صيغة للعلاقة الفيدرالية بين الأردن وفلسطين، لكن المشروع ولد ميتا، فقد كانت مياه غزيرة جرت في نهر الأردن، ولم تعد العلاقة بين شطريه تقبل العودة إلى الوراء.

المحاولة الأخيرة للملك

آخر محاولة أجراها الملك لاستعادة الضفة جرت في الفترة 1985 ـ 1987، حيث بدأت الحكاية بتوقيع الملك والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اتفاق شباط/فبراير 1985، وهو إطار ناظم لعلاقة كونفدرالية بين الأردن وفلسطين، فمن جهة لم يكن بمقدور الملك أن يقفز من فوق حقيقة منظمة التحرير حتى بعد الضربات القاصمة التي تعرضت إثر حرب 1982 واجتياح إسرائيل للبنان وخروج قوات المنظمة منه إلى المنافي البعيدة في تونس والجزائر واليمن؛ كما أن الملك كان يدرك من جهة ثانية، أن إسرائيل لن تسلم الضفة الغربية، ومن باب أولى القدس، لمنظمة التحرير؛ وكان يعرف من جهة ثالثة، أن عودة الضفة والقدس كاملتين للسيادة الأردنية أو الأردنية ـ الفلسطينية المشتركة، ليست ممكنة، وأنه بحاجة لطرف فلسطيني يوفر “الغطاء” و”الشرعية” لـتسويات قد لا تنتهي إلى عودة كامل الأراضي المحتلة، والقدس بمقدساتها، إلا من ضمن ترتيبات وتنازلات، لا يريد أن يتحمل وحده المسؤولية عنها.

أخذ الملك “اتفاق شباط” بيديه، وشرع في مفاوضات سرية مع حكومة التناوب، التي تولى شمعون بيريز رئاستها 1984 ـ 1986، قبل أن يسلم الرئاسة لإسحاق شامير، ويتولى هو حقيبة الخارجية ونيابة رئاسة الحكومة.

انحصرت مفاوضات الملك بشمعون بيريز، ويقال إن شامير ما كان ليعرف بها، وإلا لأحبطها وهي في مهدها. وظل الحال على هذا المنوال، وحصل تقدم في المفاوضات، غير كاف، تماما مثلما كان يحدث بين عرفات ومفاوضيه الإسرائيليين، ولاحقا بين عباس وقيادات إسرائيلية. عرف شامير بأمر المفاوضات أخيرا، لتسقط المحاولة وكأنها لم تحصل أبدا.

قوبل اتفاق شباط برفض شديد من قبل فصائل فلسطينية واسعة، ووصفته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، زعيمة المعارضة الفلسطينية آنذاك (لم تكن “حماس” قد ظهرت بعد) بأنه “بوابة أردنية للحول الاستسلامية”، يومها لم تكن هناك أصوات أردنية معارضة كثيرة للاتفاق و”الكونفدرالية” كما هو الحال اليوم، فالأردن كان خاضعا لأحكام الطوارئ والقوانين العرفية.

صمد عرفات أمام الضغوط وراوغ لمدة عامين، بانتظار أن يصعد الدخان الأبيض من “مدخنة” مفاوضات لندن، لكنه وقد تأكد من فشل المحاولة، لم يعد يجد ضرورة للإبقاء على الاتفاق والمقامرة باستمرار حالة الانقسام الفلسطيني، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني التوحيدي في الجزائر عام 1987، وتقرر إلغاء الاتفاق، الذي كان الملك حسين نفسه قد ضاق ذرعا به، وهو الواقع بين مطرقة شامير وتعنته، وسندان عرفات ومراوغته.

في السنة التالية، سيعلن الملك “فك الارتباط” إداريا وقانونيا مع الضفة الغربية، ويعلن الفلسطينيون، في السنة ذاتها، ومن الجزائر أيضا، قرارهم بـ”إعلان الاستقلال”.

كلمة لا بد منها

في تفسير فشل تجربة اتفاق شباط 1985، يعزو البعض الأمر إلى “شخصية” ياسر عرفات، المعروفة بالمراوغة وعدم التقييد بالاتفاقات المبرمة، وهذا ليس بعيدا عن شخصية الزعيم الفلسطيني الذي يُعدّ تاريخه برمته، سجلا من المحاولات المتكررة للقفز من “الهامش” إلى “المتن”، لكن الحقيقة أن عرفات كان أكثر من غيره من القادة الفلسطينيين، مسكونا بهاجس “الاستقلال” و”الكيانية الفلسطينية المستقلة”، وهو قبل باتفاق شباط كإطار كونفدرالي، يضمن قيام كيان فلسطيني، ربما كخطوة على طريق الاستقلال الوطني الناجز.

ولاحقا سيقبل عرفات بصيغة الوفد الأردني ـ الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد، كمظلة وقنطرة توصله إلى الوفد الفلسطيني المستقل. من يعرف ياسر عرفات، يعرف أن غايته بالحصول على كيان فلسطيني مستقل، تبرر من وجهة نظره جميع وسائله وأساليبه في إدارة علاقاته وتحالفاته، ولقد سألت الدكتور جورج حبش ذات مرة، وفي ذروة الانقسام بين الجبهة وياسر عرفات لقيامه بزيارة القاهرة، وإنهائه المقاطعة العربية لمصر بعد توقيعها أول معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل، سألته ما إن كان يعتقد أن عرفات قد فرّط بقضية شعبه الوطنية، وإن كان تخلى عن المشروع الوطني الفلسطيني، فأجابني من دون تردد: هذا ليس ياسر عرفات، عرفات مسكون بالدولة والعلم والسجادة الحمراء والهوية وجواز السفر.

الخلاصة في هذا الخضم المتلاطم من محاولات إحياء وتطوير صيغة للعلاقة الأردنية ـ الفلسطينية (الخيار الأردني، التقاسم الوظيفي، الفيدرالية، الكونفدرالية، البنيلوكس وغيرها)، إن السبب الرئيس الذي أحبط محاولة الملك الأولى لاستعادة الضفة بعد مرور أقل من ستة أشهر على احتلالها، هو ذاته السبب الذي أحبط آخر محاولة له بعد مرور عشرين عاما على احتلالها، وهو ذاته السبب الذي أطاح بمسار مدريد ـ أوسلو، قبل ربع قرن أو أزيد قليلا، وهو ذاته السبب الذي سيُبقي المشاريع المستقبلية قد البحث، عرضة للانهيار و”الوفاة المبكرة”، إنه بإيجاز: رفض إسرائيل المطلق إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 سواء لصالح إدارة أردنية مباشرة، أو في سياق ممارسة الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم، وبناء دولتهم المستقلة أو المرتبطة كونفدراليا مع الأردن. هنا الوردة فلنرقص هنا.

(الحرة)

اترك رداً