عُذرا يا جلالة الملك - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

عُذرا يا جلالة الملك

د. عادل الكردي

 عذراً يا جلالة الملك ..فأنا في هذا اليوم محتار أهنّئك ام أعزّيك؟! وعذراً ايها الشعب العظيم أهنئكم بهذا اليوم ام أُعزّيكم ؟!قبل عشرون عاماً شيّع جميع ابناء الوطن  سلفكم الراحل الملك الحسين بن طلال وقلوبهم تعتصر الماً، وبعد عشرون عاماً، خرج الشعب الى الشوارع يطالبون بالإصلاح والعدالة والحرية والكرامة والوظيفة، وبعضهم يطالب بريحيلكم ! قبل عشرون عاماً توسّمنا بكم خيراً، وأملنا ان تتربعوا في قلوبنا، لا أن تجثموا عليها وتحبسوا انفاسنا !عشرون عاماً مضت لم يرى فيها الوطن خيراً في عهدكم الغير ميمون …عشرون عاماً من الظلم والفساد وغياب الضمير وسوء النهج والسياسة والإدارة، أعادتنا الى الوراء مئة عام ٍ !
عشرون عاماً ونحن في تراجع ٍ مستمر غير منقطع النظير .. كانت ديوننا بضعة مليارات، وقد تجاوزت  السبعين ملياراً  الان! كانت البطالة دون العشرة بالمئة، وها هي الان قرابة ال٥٠٪ بين فئات الشباب !كان خط الفقر حوالي ال٣٪، وها هو الان تجاوز ال ٧٥٪ !قبل عشرون عاماً لم يجوع اردنياً بيننا.. اما اليوم صار كثيرون منا يبحثون عن طعامهم في حاويات القمامة..!
قبل عشرون عاماً كنا نملك وطناً، واليوم ضاع الوطن منا..  وبيعت مؤسساته واحدة تلو الاخرى لمستثمرين أجانب!.
  عذراً يا جلالة الملك، فلا تطلب منا المزيد، فقد جفت آبارنا، ونضبت ينابيعنا، وأثقلت كواهلنا..!فلا تتوقع منا ان نبقى في حالة سبات أزلية،  فقد إستيقظ شعبك من نومته، ونهض المارد الذي كنت تخشى صحوته، وعرف من هو عدوه الحقيقي . وقد أدرك الشعب الامور بواقع الحال، وليس بالوعود المضللة الزائفة والأوراق النقاشية الوهمية، التي تُخدّر الناس بأمّل التغيير وأن الغد افضل، فهذا تفاؤل في غير محلة؛ لأنه كان ينقصه حسن النيّة والتقدير والضمير..!لقد أدرك المواطن حقيقة الشعار الزائف وأكذوبة ” ان الإنسان أغلى ما نملك” ! ادرك المواطن انه اغلى ما تملك الدولة بإعتباره بضاعة مزجاة ومادة استجداء، يتسوّل بها النظام لجمع ثروة على حساب كرامة ومصير ومعاناة هذا الشعب، الذي كان ذنبه انه إستقبل الهاشميين عندما غُلّقت الابواب في وجوههم، وأكرمهم وجعلهم ملوكاً، واحبهم وأخلص لهم ! لقد ادرك الشعب الان اننا اصبحنا كما وصف الشاعر : كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء على ظهورها محمول !
عذرا لك ايها الشعب العظيم،  لكن هذا هو حالنا منذ زمن بعيد، وسوف يبقى كذلك ما لم نحرّك ساكناً، وما لم ندرك عواقب الإنقياد، خلف الشعارات الفارغة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.. فهذه الشعارات لن تضع الطعام على موائد الفقراء وشبه الفقراء ، ومعظمنا صار ضمن هذا التصنيف، بفضل قيادتنا الغير  رشيدة، نعم يجب ان ندرك من ان النظام والدولة ( الحكومة) هما وجهان لعملة واحدة، وذلك لان الدولة بكافة اجهزتها تُترجم رغبات الملك الى واقع يقُضّ مضاجعنا، فالحكومة تسير وفق توجيهات النظام ( الملك ) ولا تجتهد، واذا كان ما ازعم ليس حقيقة وواقعاً ملموساً، فليُثبت الملك نقيض ذلك … واذا كان الملك لا زال مخلصا لهذا الوطن، فيجب عليه ان يتوقف عند هذا الحد، ويشرع فوراً بإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوآن، وان  يبدأ بمصالحة شعبه من خلال مكاشفة عامة، وإصلاح سياسي ودستوري عام، وإعادة السلطة الى الشعب حسب  شروط عقدنا الإجتماعي مع الهاشميين، والمبرم قبل مئة عام ٍ تقريباً،  ثم يعمل على تحقيق رغبة شعبه، بإختيار قيادته لتكون مسؤولة أمام الأمة، حتى تتحقق العدالة الإجتماعية… واذا كنت يا جلالة  الملك صادقاً ومنتمياً الى هذا الوطن ومُقدّساً لترابه، وحافظاً  لجميل شعبه، فإبدأ بنفسك اولاً، ثم قم بترتيب بيتك، وضع حداً لتجاوزات وتدخّلات زوجتك ( الغير  دستورية)، فنحن بايعنا الهاشميين على الحكم ولم نبايع امرأة من آل ياسين …!  وأوقف كذلك التوريث السياسي الذي تحوّل إلى ثقافة في بلادنا، واصبح عرفاً وحقاً مكتسباً وحكراً لعائلات اردنية، ليست بأفضلنا ولا اقدر من باقي ابناء شعبنا، لا عشائرياً ولا بالتأهيل العلمي، ولا خبرة ولا سمعة ولا حسباً ولا نسباً،  فالاردنيون بشتى الأصول والمنابت، من اغنى الشعوب العربية قاطبة، علماً وثقافة وإختصاصاً وخبرة، ونحن من نرفل  دول الخليج العربي بالطاقات البشرية والعلمية ومنا من لمع بدول المهجر .  نعم يا صاحب الجلالة فقد ضاق الشعب ذرعاً بالفساد والمفسدين، واصبحنا على شفا جرف ٍ هار ٍ او كما نقول : ” لا تلزونا على الطور “، فقد ضقنا ضرعا بجوقة المدّاحين والمطبلين، ولم نعد نطيق سماع اهازيجيها، ولا ترانيمها البائدة بعد اليوم، ضقنا ضرعا من المُكيرمات الملكية، بتوزيع الحقائب المدرسية، وطرود الاغذية على مبدأ اطعم الثم تستحي العين، فإذا راعيتم حق الله والامة وعملتم بضمير،  فلن يجوع مواطن، ولن يحتاج إلى صدقة احد،  فالمواطن الاردني عالي الهمة عزيز النفس بالفطرة، ولا تنقصه إلا فرصة عمل وممارسة حقوقه، ليعطي الوطن قبل ان يأخذ . عذرا ايها الملك،  فشعبك قد قدّم الكثير على مدى الستة قرون الماضية، ولا زال بإمكانة تقديم الدماء والابناء، رخيصة فداءً لتراب هذا الوطن، اذا ما دعت الحاجة الى ذلك،  وانتم ايها الملك تدركون بحكمتكم من ان المواطن الاردني، كان ولا زال يقف سداً منيعا، في وجه الكثير من المؤامرات، وكان ولا زال عصيّا امام التغيرات السياسية، التي عصفت ولا زالت تعصف بالمنطقة، كل ذلك لان الشعب قال كلمتة منذ قرن ٍ من الزمان، وجزم امره وبايع الهاشميون على الطاعة والولاء، وذلك لاننا إعتقدنا فيكم أثراً طيبا،  يربطنا بحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم،  وأصبحتم رمزاً وإسماً ونعتاً وصفة لأردننا الحبيب. عذرا يا صاحب الجلالة،  لكن الشرافة ليست نسبا ولا عباءة تُرتدى، وانما عمل يخدم الامة، وكما قال صلى الله عليه وسلم عندما ذكر اهل بيتة بالاسم وقال مُحذّراً إياهم: ” لا تاتوني غدا بأنسابكم وياتيني الآخرون في اعمالهم ؛ فإني لا اغني لكم من الله شيئا “. او كما قال (ص). فهذه براءة من الله ورسوله من كل من يُقصّر بمسؤوليته وإن كان من بيت آل النبي الذي تزعمون النسب اليه.عذرا يا صاحب الجلالة،  فانا لست مدّاحا ولا مُرائيا ولا سحّيجاً، فأنا اختلف عن حاشيتك، فهم يُسمعونك ما تُحب ان تسمع منهم، وانا أذكّرك بما نسيت، حيث أخذتك الغفلة، حتى أصبحنا لا نعرفك،  ولا نعني لك شيئاً على الغالب ! فأصبحنا في حيرة من امرنا،  وصرنا عاجزين عن قراءتكم وفهم محتواكم !!! فأنتم تنادون بالاصلاح في حين أن الفساد قد عشّشَ في عُقر داركم، والمفسدون على مراى منكم، فعميت بصيرتكم، وصار جمع المال جل إهتمامكم.وقد آن الاوآن لتحديد المواقف، وترتيب الصفوف،   فقد تحسّس الشعب طريقه وسط هذه الظلمة، وحدد خياراته، وعرفنا الى اين نحن ماضون، وجاء دوركم الان لتحديد موقفكم وفي اي صف ٍ تقفون ! لقد  جاء دوركم يا صاحب الجلالة بأن تحدّدوا موقفكم بكل امانة وشفافية، بما ويتماشى ومصلحة الوطن، وواقع البؤس الذي ألمّ واحاط بنا من كل جانب، فقد غدر بنا ابناء جلدتنا قبل ان يغدر بنا العدو والغريب !.وضاقت بنا الحيل وسُدّت بوجوهنا السبل وغُلّقت الأبواب، على كافة الاصعدة داخليا واقليميا ودوليا،  وأنتم يا جلالة الملك تدركون،  من أن صمام الامن الحقيقي،  لا يتحقق بحجم جاهزية الدولة وقدرتها على تحقيق الضبط السياسي،  وإنما بتوفر العدالة والمساواة  وإحترام الإنسان لكونة إنساناً، وضمان وصيانة حقوقة،  فالسلام الحقيقي لا يكون بغياب الحرب، وإنما  بتوفر العدالة الإجتماعية فقط، واذا تأملت الواقع تأمّل وعي ٍ وضمير، لرأيت مدى التباين الإجتماعي والطبقي الذي يعيشه المواطن الاردني، جرّاء سياساتكم، حتى اصبح معظم افراد الشعب فقراء يستجدون لقمة العيش، فكيف يكون وطن بلا مواطن؟! وكيف ينتمي إنسانٌ لوطن لا كرامة له فيه ؟!. يا جلالة الملك ان المصاب لجلل، والمصيبة التي المّت بنا أعظم ! ولا يمكن لها ان تنجلي بالإستمرار في تبني ذات النهج والسياسات العقيمة، والا فسوف تكون النتائج وخيمة، فهذه الازمة المزمنة تحتاج الى وقفة حق ومصارحة ومكاشفة، والرجال تُعرف بالحق، ومن هو اولى منكم  بهذه الوقفة ؟ فالشعب قد قرر ان يضع حداً لذل الواقع، والإرتقاء بواقعنا الاليم… وأن نضع حداً للهزيمة التي تعيش في داخلنا … وأن نضع حداً للركود والجمود، وتسخير المُقدرات لصالح الفئة الواحدة، الفئة القائمة على المنفعة الفردية على حساب الوطن والمواطن، نريد ان نبعث الحياة والامل من جديد، في المواطن الاردني قبل ان يصبح ذلك مستحيلا،ولن يتم ذلك الا بتكاتف الايدي ضد الفساد والمفسدون اينما كانوا، ويجب التخلص من تلك الفئة الفاسدة ندماء الكأس، التي اصبحنا نشم نتانتها كلما رأينا أحدهم على شاشة التلفاز. وأما فيما يتعلق في مهزلة سياسة تشكيل واعادة تشكيل الحكومات المتعاقبة والإنتخابات البرلمانية، فأنه لا جديد، وما اشبه الامس باليوم، فإن اصحاب الدولة والمعالي بالامس لا يختلفون عن اقرانهم اليوم، وإنما هي أسماء سميتموها، وسياسة  رسمتموها، وكذلك الانتخابات فاننا نرى ذات الوجوه تروح وتجيئ، وهذا ليس من محض الصدفة، ولا بسبب الجدارة والاهلية وصل هؤلاء الى البرلمان، وانما لفساد النظام، وبما أننا الان على مقربة من إنتخابات مجلس النواب ال١٩، فيجب الشروع فوراً بإعادة تعديل الدستور عملاً بالمادة ١٢٨ التي تُحرّم وتمنع ايجاد مواد دستورية او قوانين تتعارض مع روح الدستور ونصوص مواده، بطريق تعيق او تمنع قيام احد من واجباته المنصوص عليها بالدستور. لذلك يجب العمل فوراً لإعادة السلطة الى الشعب، وضمان وصيانة إستقلال السلطات الثلاثة، وفصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وتمكين السلطة التشريعية من القيام بواجباتها التشريعية والرقابية دون تغوّل من احد، بما فيهم انت يا جلالة الملك، فإنه من المخالف للروح الديمقراطية والبرلمانية، ان تكون مُشرّعاً ورئيساً للسلطة التنفيذية وومسكاً بالسلطة القضائية (بموجب التعديل الدستوري الأخير) في آن ٍ واحد. ويجب  تعديل قانون الإنتخاب بطريقة تضمن سلامة التشريع لصالح الوطن والمواطن، بعيداً عن المصالح الخاصة للفئة المسيطرة. وكذلك يا جلالة الملك يجب تحقيق فصل السلطة القضائية، وإعادة النزاهة اليها، فالغاية ليس بفصل المباني، وإنما بتمكين القانون من جميع اركان النظام، فلا يجوز  ولا يستقيم شرعاً ولا عرفاً، ولا قانونياً ولا ديمقراطياً، بأن يَحييد القضاء عن روح العدالة، لتحقيق رغبات النظام واذرعه، كما انه لا يجوز بأن يكون ” الملك” فوق القانون ! فالعدل اساس المُلك، فلا يصح ان تكون ملكاً معفى من كل تبعة ومسؤولية حسبةما جاء بالمادة ٣٠ من الدستور، فأهلية الأداء شرطاً للمُلك، وهي الذريعة التي تمّ تنحية جدكم  المغفور له بإذن الله تعالى الملك طلال من الحكم، فكيف تقبل بأن تكون ملكاً غير مسؤولاً ؟!  اي فاقداً للأهلية حسب شروط الاهلية المُعرّفة شرعاً  وقانوناً، والمحدّدة بصحة الأداء (الجسم) والإدراك وتمييز ( العقل)، وبما أنك لست صبياً ولا معتوهاً، فلا يوجد لك مبرراً قانونياً ولا شرعياً،  لأن تعفى من تحمّل اي تبعة ومسؤولية.  فالقضاء يجب ان يقوم بعمله بعيدا عن مصالح القصر الخاصة، فهناك تجاوزات قانونية واحكام صادرة، لا تتناسب ومدى الضرر الواقع على الطرف الآخر، ومنها ما كان ملفقاً من قبل اجهزة امنية ، ضد مواطنين لممارستهم حقوقهم الدستورية. فالتغيير يا جلالة الملك اتٍ لا محالة،  والقرار قراركم لتختاروا الى جانب ٍ من ستقفون ؟ فالازمة اشتدت وذلك اشارة الى اقتراب الحل، فمهما ارتفع الباطل فلا بُد ان يزهقه الحق زهقا،  فلا شئ يدوم وزوال الانظمة من سُنن الله الشرعية، ولولا سنة التدافع لفسدت الارض، وتدهورت احوال الناس، فمتى دالت الايام مالت، وانقلبت من حال إلى حال، فمقابل الحق يوجد باطل، ومقابل المفسدون يوجد مصلحون، واذا ثبت اصحاب الحق والفضيلة، تحقق وعد الله بالتمكين، ونحن الان نعيش ثمرات سنة التدافع، فلا شئ يمكن ان يحمي اي نظام، الا اذا عمل تحت مظلة الحق والعدل، وحقق العدالة الإجتماعية وادى حقوق الله وحقوق العباد، لانها مرتبطة بعضها ببعض، وكل ذلك انبثق عن منظومة العدل والمساواة والمسؤولية، وكما قال صلى الله عليه وسلم : ” أيما راعٍ إسترعى رعيّة ولم يُحطها بالامانة والنصيحة من ورائها إلا ضاقت عليه رحمة الله تعالى التي وسعت كل شئ.وكما قال الله تعالى : ( وإن عدتم عدنا) .فشعبك لا زال يتأمّل ويتوسم فيكم خيراً فلم ينادي بإسقاط عرشكم، ولم يرفع عصاً ولا بندقية بوجه نظامكم .

اترك رداً