الدولة بين مثالية الأديان وواقع العلاقات الدولية/ الدين والعُنف - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

الدولة بين مثالية الأديان وواقع العلاقات الدولية/ الدين والعُنف

د. عادل الكردي

لقد أثبت التاريخ على مدى العصور أن كافة الأديان ساهمت مساهمة مباشرة في تحقيق الأمن الجماعي للامم، وعملت على تحقيق الإستقرار في المجتمعات البشريّة أينما وُجِدت، وذلك لان رسالة الاديان قامت على المبادئ العامة للأخلاق، فكانت مثاليّة إلى حد ٍما فيما يتعلّق بدورها الإجتماعي، لقيامها بتجسير العلاقة بين السلطة والفرد، وصهر المجتمع في بوتقة واحدة بتناسق وتناغم تآمّين لتقوية تماسك ألنسيج الإجتماعي، والضبط السياسي، وتحقيق الرفاه الإقتصادي، وقد نجحت الاديان في ذلك إلى حد ٍ ما إلا انها أخفقت كثيراً أمام المُحدثات الطارئة، والتي عادة ما كانت من صنع رجال الدين او الدولة، الذين كانوا يفرضون على الشعوب حروباً تحت مِظلّة الدين . فالسلوك الديني لمجتمعٍ ما، غالباً ما يُحدده صُنّاع القرار بالدولة بالتعاون مع رجال الدين، وبالتالي فهم وحدهم القادرون على تحديد درجة الأمن والسلام والإستقرار والرفاه الإقتصادي لذلك المجتمع، بإستثناء بعض النزاعات المُزمنة التي فُرضت على الشعوب لعقود ٍ طويلة، كما هو الحال في النزاع العربي الإسرائيلي في الشرق الاوسط، والذي تجاوز حدوده الجغرافية بحجة الامن القومي الإسرائيلي.

وبمعنى آخر فإن خوض حرب تحت مِظلّة الدين يتوقف على قُدرة الدولة والمؤسّسة الدينيّة على مَنطَقَة الأسباب وربطها بالنصوص الدينيّة اللازمة لتوفير قاعدة شرعيّة لإعلان الحرب، وقد اثبت التاريخ ان دولاً كثيرة قد خاضت حروباً أو حققت غايات واهدافٍ سياسيّة وعسكريّة بإسم الدين، من خلال توجيه السلوك الديني للمجتمع عن طريق التلاعب بمشاعر وعواطف الشعوب تارة، وإحياء روابط اخرى وتأجيجها وربطّها بالدين، كالعصبيّة والقوميّة على سبيل المثال لا الحصر، على الرغم من عدم توفّر العلاقة بينها وبين الدين وخصوصاً في الدين الاٍسلامي. إلا ان ذلك لا يمكن إعتباره دليلاً مُطلقاً يُثبتُ أن الدين كان سبباً مباشراً او عاملاً مُحفّزاً لإعلان الحروب على الشعوب، لغايات التأثير على معتقدات الآخرين وإجبارهم على إعتناق ديانة ما، وقد كان الغرب ولا زال يحاول التشويش على رسالة الإسلام الاُمَميّة، من خلال الترويج لثقافة الجبر والتطرف في الدين الإسلامي بإعتباره قد إنتشر بحدّ السيف والإكراه 1، وقد نجح هؤلاء في تعميق الخلافات بين الإسلام والديانات الأخرى، عن طريق الإستعانة بالنصوص القرآنية التي كانت تحُثّ المسلمين على القتال في حالات خاصة، والتي لا يمكن تعميمها على الإطلاق، وذلك لان الإسلام كديانة سماويّة ورسالة أُمميّة، قام على شرعيّة ثابتة حددها الله تعالى بحرية الإعتقاد القائمة على حريّة الإختيار.

فالإسلام ليس ديانة قسريّة كما يُروّج الغرب له، والمؤسّسة الٍإسلاميّة لا يحكمها هرم اومرجعيّة وظيفيّة كما هو الحال في الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، وذلك لإعتماد الإسلام على اصول شرعيّة ثابتة تُخوّل الجميع التعامل معها من خلال مُحددات شرعيّة معينة، والشاهد على ذلك قول الله تعالى :

( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) 256 البقرة .

وقوله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) 99 يونس .

فالإسلام كدين لم يطالب المسلم بحث الناس او إجبارهم على إعتناق الإسلام، وإنما طالبهم بالدعوة من خلال تبليغ رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد ترك الله تعالى باب الهداية والإيمان مفتوحاً امام البشر لقوله عز وجل :

( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) .56 القصص

فهذا الخطاب موجّه للرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يحاول إقناع جده وعمه بالتلفّظ بالشهادة عندما حضرتهما الوفاة . وقد اكّد الله على هذه الآية بقولة تعالى :

( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ ) 272 البقرة .

( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) 103 يوسف .

والمقصود من الآيات السابقة ان الله عموماً لم يرد ان يجعل موضوع الهداية معلقاً بأمره تعالى، وإنما جعله مرهوناً بحرية الإختيار التي منحها للإنسان، ولو أراد الله ذلك ليسّر الهداية لجميع خلقه، فكلمة يشاء تعود للشخص الذي يطمحُ بالهداية ويرغب بها ، فإذا ارادها فإن الله تعالى سوف يوفّقه اليها وهذا واضح ايضاً في الآية الكريمة :

( كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ ) 2 . فمن أراد الهداية عمل لها ويسّرها الله له، ومن اراد الضلال اضلّه الله بأعماله، وفي كلتا الحالتين فإن الامر مرهون بيد البشر، وقد جعله الله تعالى كذلك ليميز الخبيث من الطيب. وقد أكّدت السُنّة النبوية على ذلك ايضاً بقوله صلى الله عليه وسلم :” فوالله لان يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من ان يكون لك حمر النعم ” 3. وقد دلّت النصوص من الكتاب والسُنّة ان الهداية نوعان، اولاً: هداية التوفيق للعمل وخلق الإيمان في القلب، وكلاهما بيد الله تعالى وهي المرادة في الآيات السابقة.

ثانياً : هداية الإرشاد والدلالة والبيان، وهي المرادة بقوله تعالى عندما وصفَ النبي صلى الله عليه وسلم :

(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) 52 الشورى .

وقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) 24 السجدة .

وقوله تعالى على لسان موسى عندما خاطب فرعون: (وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ) 19 النازعات .

وقوله تعالى على لسان الداعية الذي يدعو قومه : ( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) 38 غافر .

وربما كانت الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب كضريبة حماية، دليلاً آخر على ذلك حيث أكّدت على حريّة الأديان والإيمان، ولو كان الامر كما يدّعي الغرب لما وجدنا كتابياً واحداً لا زال على دينه، إذن فقد نقضت النصوص السابقة إدّعاء الغرب بان الإسلام إنتشر بحدّ السيف، بل برهنت الأدلة على ان الإسلام هو دين دعوة وإجتهاد وتربية وتعليم وإرشاد . فالاسلام لا يتناقض مع طرحه ورسالته التي تضمّنها القران والسنة النبوية، وقد أشار المؤرّخ البريطاني ول ديورانت إلى ذلك بقوله :

” إن الفجوة بين النظرية والتطبيق اقل ما يمكن ان تجدها في الإسلام بالمقارنة مع الديانات الاخرى” 4 .

وبعد ان أثبتنا بالنصوص ان الإسلام لم ينتشر بالقوة والإكراه وإنما بالهداية والفطرة والإقناع، فإنه يتبقى علينا الإشارة إلى ان كافة الحروب التي خاضها الإسلام كانت حروباً دفاعيّة وفتوحات حررت الاراضي العربيّة من نير الإستعمار الاجنبي 5.

اما الحالة الوحيدة التي كان فيها الدين سبباً مباشراً في خوض الحروب وقتل الإنسان، تمثّلت في حروب شعب الازتيك في القرن السادس عش، حيث كانت الغاية منها تنحصر بجلب الاسرى لتقديمهم قرابين لإله الشمس، وقد ذكرت ذلك بشيء من التفصيل بموضع آخر 6 .

فالدين قد يُوفّر قاعدة تنطلق منها الحروب ويحشد الهمم والطاقات، وقد اُعتبر هذا السلوك امراً إعتيادياً لانه جُزء من طبيعة وغريزة البشر، فالناس قدّمت أرواحها دفاعاً عن مُعتقداتها وأوطانها وقيمها، إلا ان الواقع يقول ان السلوك الديني الذي حددت ملامحه الحرب لا يرتبط بأيّة علاقة مع الدين، وذلك لان الدين قد جاء ليحقق غاية اسمى من القتل، جاء ليحقق التماسك والتعاضد والتكافل الإجتماعي، وبمعنى آخر جاء الدين ليحقق الحياة ويؤكّد على الوظيفة التي خُلق الإنسان لأجلها وهي عبادة الله وحده لقوله تعالى :

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56 .

ثُمّ بيّن الآلية اللازمة لبلوغ الغاية بقوله تعالى :

( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) القصص 77.

وقد ذكرت آنفاً ان اديان التوحيد الثلاثة، قد خاضت حروباً بإسم الدين، فاليهود على سبيل المثال، إحتلّوا الارض المقدسة إنطلاقاً من وعد الله تعالى لإبراهيم عليه السلام، وقد ترتّب على ذلك الوعد، تفويضاً إلهياً بإستخدام القوة لوضع اليد على تلك الارض، وقد ذكر في سفر التثنية بالإصحاح العشرون :

الآيات : 4-1:- ” إذا خرجت للحرب على عدوك و رايت خيلا و مراكب قوما اكثر منك فلا تخف منهم لان معك الرب الهك الذي اصعدك من ارض مصر…. “

14،13:- ” واذا دفعها الرب الهك الى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. و اما النساء و الاطفال و البهائم و كل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك و تاكل غنيمة اعدائك التي اعطاك الرب الهك ” .

18-16:- ” واما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب الهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما. بل تحرمها تحريما الحثيين و الاموريين و الكنعانيين و الفرزيين و الحويين و اليبوسيين كما امرك الرب الهك. لكي لا يعلموكم ان تعملوا حسب جميع ارجاسهم التي عملوا لالهتهم فتخطئوا الى الرب الهكم ” .

فالآيات السابقة تقول ان الله تعالى قد أمر بني إسرائيل، بإبآدة كآفة الشعوب الوثنيّة بالمنطقة من باب الإحتراز، لغاية دينيّة تتجلى بالتخلّص من الوثنيّة وثقافتها، ونشر عقيدة التوحيد والإيمان بالله وحده، وذلك لإستئصال شئفة الشر من القلوب، والقضاء على أسباب الخطيئة وتطهير المجتمعات، ليتمكن الإنسان من تحقيق الغاية التي خُلق من أجلها. وبوجود مثل هذه الآيات، فقد توفّر لليهود القاعدة الشرعية للتوسُّع الإستيطاني على حساب الامم الاخرى، على الرغم من أن الله تعالى، قد فرض شرط الحفاظ على العهد لإستمراريته، وقد تثبت تأريخياً وحسب النصوص الشرعية الواردة بكتابي العهد القديم والعهد الجديد نقض اليهود للميثاق. وعموماً فقد خاض اليهود حروباً كثيرة منذ ان دخلوا الارض المقدسة، تراوحت بين حروب ٍ دينيّة وأخرى توسُّعيّة، ثم تحوّلت في المراحل الاخيرة الى حروب دفاعيّة لمواجهة أعداءهم المصريين والآشوريين والكلدانيين ثم الرومانيين في مراحل متقدمة، حيث قاموا بأربع ثورات ضد الدولة الرومانية، الاولى عام 66 م والتي قادت الى وقوع مذبحة كبرى باليهود، وإلى تدمير الهيكل الثاني على يد الامبراطور الروماني تيطس عام 70م ، ثم الثورات الثلاثة بين الاعوام 132-135 م، والتي جرّت عواقب وخيمة على اليهود كأمّة وعرق على مدى الالفي عاماً اللآحقة، عانى خلالها اليهود مرارة القتل والتشريد والذل والهوان 7 .

لقد تحوّل اليهود في فترة الشتات الى تبنّي سياسة دفاعيّة صرفة، كانت غايتها البقاء والمحافظة على العرق اليهودي، وعلى الدين والاصول وجذور الثقافة اليهوديّة. وقد تم ذلك من خلال بناء مجتمعات داخليّة مُغلقة تضمن تحقيق هذ الغايات، فكانت النتائج مُذهلة حيث تمكن اليهود من بلوغ اعلى درجات التماسك والتعاضد والتكافل الإجتماعي، التي لم تعهدها اية امّة في التاريخ الإنساني، بإستثناء بعض الحالات في المجتمعات الإسلاميّة وعلى نطاق ٍ ضيّق، والذي يُؤكّد على ذلك قدرة إستمراريّة اليهود في تطبيق هذه السياسة، على مدى الفي عام في كافة المجتمعات اليهوديّة أينما وُجدت.

لقد وجَدَ اليهود في الدين الملجأ والوطن، وكان ذلك السبب الاول والرئيس الذي مكّنهم من مقاومة عدد من الإبآدات الجماعيّة التي إستهدفت وجودهم كأمّة وكعرق، ولولا قوة الإيمان والإرادة عند اليهود لضاعت هويتهم القوميّة والدينيّة، وإنصهروا بالشعوب الاخرى . وقد أثبت الدين في حالة اليهود، قدرته على لعب دوراً مميزاً في تعايش ونجاح هذه الامة، حيث أثبت اليهود مُرونة عالية بالتحوّل من السياسة الهجوميّة الإستيطانيّة، الى السياسة الدفاعيّة لغايات التعايش، ثم العودة الى السياسة الإستيطانيّة من جديد .

لقد أثبت الدين إذن، قدرة وفعاليّة عالية، في توجيه وضبط السلوك الديني للفرد والمجتمع والامّة. ودولة إسرائيل مثالٌ حي على ذلك كما أسلفنا، حيث قامت الدولة بعد قرابة الألفي عام عندما تهيئت لها الظروف المُناسبة، وأعلن اليهود قيام دولتهم على ارض فلسطين عام 1948م، ومع الإرادة والعزم والتصميم والأخذ بأسباب النجاح، تمكّن اليهود من التوسّع في كافة الإتجاهات على حساب الاراضي المصريّة والاردنيّة والسوريّة واللبنانيّة، بعد هزيمة العرب في حرب حزيران عام 1967 8.

أما الحديث عن المسيحيّة فهو يختلف كثيراً عن اليهوديّة، وعلى خلاف ما يحاول المُؤرخون الغربيون إثباته، من ان المسيحيّة بدأت كديانة سلمية عاشت في طوائف ومجتمعات صغيرة في الظلام على هامش الدولة الرومانيّة . فهذا الطرح يُناقض الطرح التاريخي، والشاهد على ذلك حالة الصراع والنزاع المُسلّح التي عاشها المجتمع اليهودي على مدى 135 عاماً من الالفيّة الاولى للميلاد، ولو لم تتهيأ الظروف السياسيّة لصالح اليهود المسيحيين الاوائل، من خلال الحملات العسكريّة التي شنّتها الدولة الرومانية ضد اليهود المحافظين، والتي أفضت بالنهاية الى قتل الكثيرين منهم، وتشتيت الباقين في كافة ارجاء المعمورة، لإستمرّ ذلك النزاع إلى ما شاء الله .

وعلى العموم فقد أثبت التأريخ ذلك، بعد إعلان الدولة الرومانيّة بإتّخاذ المسيحيّة ديانة رسميّة للدولة، وقد كانت اولى إستحقاقات هذه الإعلان، إنخراط المسيحيين في صفوف الجيوش الرومانيّة، وبالتالي خوض الحروب بإسم الدين بصفة القداسة الأولوهيّة المؤيّدة للإمبراطور الروماني ممثل الامة المسيحيّة . وقد قيل ان الإمبراطور قُسطنطين قد رأى في المنام صليباً يتوسط كبد السماء مكتوب عليه الفاتح، وكان ذلك قبل يومين من معركة جسر ملفيان Malvinas Bridge Battleعام 312 م 9. وبعد تلك المعركة اصبحت جيوش الدولة البيزنطيّة تحمل تُروساً مرسوم او محفور عليها صليبٌ مكتوبٌ عليه بحروف لاتينية مُختصرة إسم المسيح عليه السلام .

وفي عام 350 م قام بطريرك الإسكندريّة أثينوسيوس Athanasius بإصدار مرسوم يُوضّح فيه موقف الديانة المسيحيّة فيما يتعلّق بالقتل، قائلاً : ” ان القتل خطيئة، إلا انه ليس كذلك للجنود الذين يقتلون الأعداء ” 10. وبهذا المرسوم تكون المسيحيّة قد بدأت رسمياً بتحمّل واجباتها السياسيّة والعسكريّة، تجاه الدولة مُعلنة بذلك نهاية المبادئ السلميّة للديانة المسيحيّة، وقد إستثنى القرار رجال الدين حيث تم منعهم من الإشتراك في الحروب وسفك الدماء تحت اي ذريعة كانت، وقد إستمرّت هذه السياسة لغاية العصور الوسطى، إلى أن تخلّت الكنيسة عنها بعد وصول رجال الدين الى السلطة السياسيّة، واصبحوا يحكمون مُدناُ وإقطاعات كبيرة، وقد كان البابا يوليوس الثاني Julius II اول بابا يقود الجيوش في حربه مع المدن الشماليّة الإيطاليّة، وكذلك البابا اوربان الثاني Urban II زعيم الكنيسة الكاثوليكيّة، الذي قام بالإعلان عن الحملة الصليبيّة الاولى ضد المسلمين بفلسطينين عام 1095م، وقد إلتزم جميع الباباوات من بعده بذلك التقليد. ومن المُفارقات ان نرى الحملة الصليبيّة الرابعة التي قادها دوق فينيسيا، تتحوّل بهدفها وتقوم بمهاجمة الدولة البيزنطيّة المسيحيّة الارثوذوكسيّة !! على الرغم من ان الحملات الصليبيّة قامت بحجة حماية المسيحيين بفلسطين ! فكيف تحمي الكنيسة المسيحيين في فلسطين وتقتلهم في موضع آخر؟! 11 .

بعد إنتهاء الحملات الصليبيّة تحوّل العُنف المسيحي الى داخل القارة الاوروبية مرّة اخرى؛ لإنهاء ما بدأته محاكم التفتيش 12 ، للتخلّص من الهراطقة الذين يعارضون الكنيسة تحت مظلة الدين، وسرعان ما تحوّل الصراع المسيحي الى نزاع طائفي مُسلح، وراحت القارة الاوروبية في حرب دينيّة زُهقت فيها أرواح الملايين من البشرعلى مدى قرن ونصف من الزمان . وقد ايقن المسيحيون بعد هذه التجربة القاسية ان الوسيلة الوحيدة لوقف هذه الحرب، لن يتم من خلال مفاوضات سياسيّة، وانما من خلال إتخاذ إجراءات فورية تعمل على تحجيم سُلطة الكنيسة، فجاءت معاهدة صلح اوغسبورغ 13 بين فرديناند الاول، الذي حل محل أخيه شارل الخامس كإمبراطور روماني مُقدّس، وبين قوات شمال كآلديك التابعة للأمراء اللوثريين، وكان ذلك في الخامس والعشرين من أيلول عام 1555م في بافاريا بألمانيا، وقد أنهت هذه المعاهدة الصراع الديني بين الطائفتين المسيحيتين، وقام بموجبه إنفصال قانوني دائم للمسيحيّة، داخل الإمبراطوريّة الرومانيّة المُقدّسة، سمح للأمراء الالمان الإختيار بين الطائفة الكاثوليكيّة اوالطائفة اللوثريّة، وقد مُنح الناس الوقت الكافي لتقرير مصيرهم بالإنتماء الى الديانة التي يرضونها، وبالتالي الهجرة الى الإقليم الذي يقع تحت سلطة تلك الكنيسة .

وقد إستمر الصراع في مناطق أخرى، الى أن إتفقت الطوائف المسيحيّة على تعميم مبادئ صلح اوغسبورغ، واعتباره الخطوة الاولى لإعادة ترتيب الكنيسة داخل القارة الاوروبية، ثم جاءت معاهدة وستفاليا Westphalia Treaty عام 1648م، التي أعلنت إنتهاء الحروب الدينية في اوروبا والى الابد، كما واعلنت إنفصال الكنيسة عن الدولة وقيام نظام الدولة الحديث 14 .

لقد قَيدت السلطة التنفيذيّة الدين بأمور ومُحددات كثيرة، وقد فُتح ذلك الباب على مصراعية للدخول في عملية جدلية طويلة بين أفراد الديانة الواحدة، الامر الذي قاد في النهاية الى الإنقسام والإنفصال ثم الى ظهور الطائفية كما ذكرنا في فصولٍ سابقة. ونتيجة لهذا التطوّر فقد إنحصرت وظيفة البابا، في المجالات الروحيّة والتربويّة والإصلاحيّة، ولم يعد بمقدوره إعلان حرب على اية دولة كما كان الحال في السابق. في حين نرى ان الحاكم في الدولة العلمانيّة، يبني قراراته على قواعد منطقية وحقائق ميدانية، لا علاقة لها بالدين في معظم الأحيان، لذلك فقد كان فصل الكنيسة عن الدولة بمثابة الإعلان الرسمي الذي فضّ العلاقة الوظيفيّة بين الدين والدولة.

وعلى غرار اليهوديّة والمسيحيّة، فقد وجد الإسلام نفسه مُقيّداً على مدى ثلاثة عشر عاماً، حيث الإضطهاد والقتل والتنكيل على ايدي الاهل والعشيرة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى أصحابه يُقتلون ويُعذّبون أمام ناظرية، ولا يقوى على فعل شيءٍ، لانّه كان اسير وحي السماء، وكان اقصى ما يُمكنه فعله هو تقوية عزيمة أصحابه، وامرهم بالصبر والثبات وتبشيرهم بالنصر والجنّة . وربما كان هذا الفارق، هو العامل الرئيسي الذي جعل من الإسلام أقوى عقيدة عرفتها البشريّة .

لقد إصطفى الله تعالى بني إسرائيل وفضّلهم على سائر خلقه في وقت ٍ من الاوقات، واعطاهم من دون حساب ومكّنهم من أعدائهم، إلا أن اليهود عانوا الكثير من الويلات، لأنهم أمّة قامت على هبات الله المُتتابعة ولم تقم على العقيدة، فهم أمّة قدّ مكّنها الله مادّياً ولم يُمكّنها معنوياً، وقد أحدثت هذه الفجوة بين التمكين والتكوين نتائج وخيمة على اليهود، أهمها على الإطلاق إنقسام المجتمع اليهودي إلى فِرق، وبالتالي ظهور المسيحيّة كديانة بديلة عن اليهوديّة .

وبما أن المسيحيّة كانت إمتداداً طبيعياً لليهوديّة، ولم تكن تحمل منهجاً شرعيّاً خاصاً بها، ولم تقم بتصويب المسيرة العامه لليهود، فقد عاش المسيحيون حالة مُستمرة من الضياع السياسي، والصراع العسكري والفراغ الروحي، على الرغم من تمسّكهم بمظاهر الدين، التي تعكس صورة دينية جيدة من الناحية النظريّة، التي لا يتجاوز كونها مظهراً زائفاً، اكّده فشل المسيحيّة من توجيه سلوك الفرد، وترجمته إلى واقع وحقيقة . وقد وصف القران الكريم حقيقة اليهود والمسيحيون في فاتحة الكتاب بقوله :

( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) . الفاتحة 6-7

لكن الإسلام جاء على خلاف ذلك، فبدأ بداية قوية صلبه من خلال حركة إعداد وتكوين، إستمرّت على مدى ثلاثة وعشرون عاما، مكّنت الامّة من تحمّل مسؤلياتها وواجباتها الدنيويّة والاخرويّة، لذلك فقد كان العهد المكّي عهد تكوين لترسيخ العقيدة في قلوب المسلمين، وقد تجرّع فيه المسلمون مختلف صنوف العذاب، تخلّلتها سنين المقاطعة والحصارالتي دامت ثلاثة سنوات، عاش خلالها المسلمون على اوراق الشجر وخشاشي الارض. وربما يتبادر الى الاذهان لماذا لم ينصر الله تعالى رسوله والمؤمنين بالطريقة المألوفة اثناء العهد المكي، وجنّب المسلمين ويلات كثيرة ؟ والجواب على هذا السؤال قد رايناه واقعاً وحقيقة في تاريخ اليهود، فلو مكّن الله الإسلام كما مكّن اليهود في بادئ امرهم، لكانت تجربة الإسلام تجربة مُكررة، كالتجربتين اليهوديّة والمسيحيّة، لذلك فقد قضت حكمة الله تعالى بتكوين الامة الإسلاميّة قبل تمكينها، وكان ذلك من اعظم نِعم الله على المسلمين، ولولا هذه الحكمة الإلهيّة، لما تمكّن المسلمون من إقامة اكبر دولة سياسيّة ودينيّة على وجه الارض قاطبة، في هذا الوقت القصير نسبياً، وما تمكّن المسلمون من حمل رسالة الإسلام الى كافة اصقاع الارض، وما إستحق المسلمون وصف الله تعالى لهم بالخيرية الى يوم الدين لقوله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) . آل عمران 110

لقد قام الإسلام منذ البداية كدولة سياسيّة – دينيّة، ووحدة إجتماعيّة متكاملة ومترابطة ومتماسكة، وكان قائدها يقوم بثلاثة ادوار ٍ في آن واحد، فكان رئيس دولة وقائد جيش ٍ ومربياً وإماماً للأمّة في آن واحد . وقد فشل اليهود والمسيحيّون بالقيام بهذه الادوار مجتمعة كما سنرى في فصل ٍ قادم ، وبالتالي لم يتمكنوا من تحقيق التوازن الإجتماعي ، على الرغم من ان أنبياء بني إسرائيل جمعوا بين النبوة والحكم، وقد بلغت دولة إسرائيل أعلى درجات التقدم والرقي والمنعة اثناء فترتّي حكم نبيّا الله داوود وسليمان عليهما السلام . وفي اللحظة التي خرج فيها اليهود عن هذا المنهج، إنعكس ذلك سلباً عليهم كأمّة، فتقطّعت أوصالهم وكانت اولى مظاهر هذا الإنقسام ظهور المسيحيّة ودخولها في صراع طائفي أزلي وجدل ديني لا نهاية له، قاد الى التعددية الطائفيّة في الكنيسة المسيحيّة، وقد أثّر ذلك سلباً على الحياة السياسيّة والإجتماعيّة، الأمر الذي قاد إلى تجريد المسيحيّة من سلطتها السياسية إلى الابد، من خلال الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، وظهور العلمانية كبديل لإدارة شؤون الدولة في العالم الغربي وحصر دور الكنيسة بالدين كما رأينا سابقاً .

وعلى الرغم من المحاولات المُستمرة لتحجيم دور الإسلام السياسي، والذي بدأ فعليّاً في عهد الدولة الامويّة، إلا ان الإسلام تمكّن من إقامة التوازن الإجتماعي بين كافة أطياف المجتمع، على خلاف الدولة الرومانيّة ودول العالم المسيحي الغربي، وكافة الانظمة السياسيّة الاخرى القائمة على الوثنيّة والايدولوجيات الفلسفيّة .

لقد قام الإسلام على أُسُس روح العدالة والمساواة الإجتماعيّة والحريّة، المضبوطة بالشريعة الإسلاميّة والمُقيّدة بمنظومة الحقوق والواجبات . فكل فرد ٍ داخل المجتمع الإسلامي مسؤول عن تحقيق وصيانة هذه المنظُومة، حتى لو كان على غير دين الإسلام، والإختلاف الوحيد الذي يُميّز بين الذمّي والفرد المسلم، يكمن بالعقيدة القائمة على حرّيّة الإختيار والتي ترتب عليها حقٌ عام للدولة عُرف بالجزية، والتي فُرضت على اهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) والمجوس والصابئين والسامرة آن ذاك، بإستثناء نصارى بني تغلب واهل نجران، لعدم تحقيقهم أهم شروط المواطنة الصالحة، والمُتمثّلة بالدفاع عن الدولة الإسلاميّة (دار الإسلام) والإنخراط بصفوف الجيش، فأُمر المُمتنعون عن اداء هذا الواجب بدفعها، ولم تكن الجزية ضريبة مُطلقة مفروضة على كل ذمّي كما يُرَوَجُ لها، او كما يعتقد الكثيرون، وقد برهن المسلمون على شفافية وحقيقة ذلك، عندما اندلعت معركة اليرموك وانسحب جيش المسلمين من المناطق الغربية للشام، حيث اعاد المسلمون اموال الجزية لاهل حمص ودمشق ( الغساسنة )، لعدم تمكن المسلمين من حمايتهم آنذاك . أما فيما يتعلق بالضريبة الإجتماعية فقد فرض الاسلام على الذّمّي دفع العشور كضريبة مدنيّة، في الوقت الذي يدفع فيه المسلمون الزكاة كفريضة دينيّة، ولو جمعنا مقادير الجزية والعشور، لوجدنا ان مقدار الزكاة التي يدفعها المسلم اكثر بكثير مما يدفعه اهل الكتاب، وذلك لان الزكاة تقوم على نصاب ٍ ثابت . حتى ان الذمّيون الذين يدفعون الجزية، فقد إستفاد هؤلاء من نظام الأمن الإجتماعي، حيث كانت تُصرف لهم مُخصصات مالية بالمُقابل، إذا ما تقدمت بهم السن ولم يقووا على إعالة انفسهم، إسوة بالمسلمين، لكونهم جُزءاً من منظومة الدولة الإسلاميّة، وبهذا يكون الإسلام اول ديانة تُؤسس لنظام الضمان الإجتماعي العام،وقد بدأ ذلك في عهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابي بكرٍ الصديق رضي الله عنه ، ولم يُستثنى من ذلك اهل الكتاب، وقد اكّد خالد بن الوليد رضي الله عنه على ذلك بوثيقة الصلح والعهد لاهل الحيرة ( المناذرة ) بعد ان فتحها وقد جاء فيها :

” وجعلت لهم أيما شيخ ضعُف َ عن العمل، او أصابته آفة من الآفات، او كان غنياً

فإفتقر، وصار أهل دِينِهِ يتصدقون عليه، طُرِحت جزيته، وعُيّل من بيت مال المسلمين وعياله، ما اقام في دار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم ” 15 .

وقد رَوى عمر بن نافع عن ابي بكرقال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله بباب قوم وعليه شيخ كبير ضرير البصر يسأل، فضرب عضُده من خلفه وقال : من اي اهل الكتاب انت ؟ فقال : يهودي . قال : فما الجأك الى ما ارى؟ قال: اسأل الجزية والحاجة والسن . قال : فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشئ من المنزل . ثم ارسل الى خازن بيت المال فقال : أنظر هذا وضرباءه ، فوالله ما انصفناه أن اكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ..) والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من اهل الكتاب “، ووضع الجزية عنه وعن ضربائه. وقال ابو بكر : انا شهدت ذلك من عمر ورايت ذلك الشيخ . وقد رَوى الحصين بن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : ” أُوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمّة خيراً . ان يُوفي لهم بِعَهدِهم وان يُقاتل من ورائهم وان لا يُكلّفوا فوق طاقتهم ” 16

لقد قاد العرب الدولة الإسلاميّة في العهدين الاموي والعباسي، ثم آل الحُكم من بعدهم إلى اعراقٍ أخرى غير عربية، فجاءت الدولة السلجوقيّة والايوبيّة والمماليك والمغول والأتراك الذين انتهت الخلافة الإسلاميّة في عهدهم عام 1918م، ثُمّ اصبحت الدول الإسلاميّة كافة تُحكم مباشرة من خلال أنظمة محلّية، ولم تعد الولاية حكراً لعرق ٍ ما بعد ذلك ابداً، إلا في نطاق الحدود السياسية للدولة، حيث قامت بعض الأُسر العربيّة القوية، بتأسيس سلالات مَلكية تناوبت على الحُكم محلياً على مدى عقود ٍ طويلة .

لم يُقرّ الإسلام الإنظمة السياسيّة الأخرى، وذلك لان نظام الحكم الإسلامي قام على اصول ٍ ثابتة، حددتها النصوص في الكتاب والسنة النبوية، والتي اوجدت الشرعيّة الدينيّة التي تقوم عليها السلطة التنفيذيّة . وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة منذ نهاية القرن التاسع عشر لإقامة أنظمة علمانيّة داخل العالم الإسلامي، إلا انها جميعها باءت بالفشل، ويعود ذلك لرسوخ العقيدة الإسلاميّة في قلوب الناس، وتأصّل السلوك الديني في المُجتمعات العربيّة، على الرغم من إنتشار الكثير من مظاهر العلمانيّة والإنفتاح فيها.

فالقران الكريم اوجد منظومة كاملة لتصريف الاحوال الشخصيّة والحقوقيّة، ولا يمكن للدولة إستبدالها باي قوانين وضعية أخرى. فالزواج والطلاق والمواريث والحدود والجهاد والعقود والحياة والموت، كلها ثوابت دينيّة تؤكّد رسوخ السلوك الديني في المجتمعات الإسلاميّة، ولا يمكن لأحد تجاوزها بصرف النظر عن درجة الايمان والإلتزام الديني للفرد، وقد أدرك الغرب هذه الحقيقة والتي أشارإلى جانب ٍ منها المؤرخ هيج كنيدي Hugh Kennedy بقوله :” لقد قدّم القرآن الكريم ثواب الشهادة (الموت في المعركة) عل ثواب النصر وما قد يترتب عليه من فوائد مادّية ومعنوية ! “. فالقرآن على سبيل المثال قد أوجَدَ الشرعية اللازمة للقتال وإعلان الحرب ايضاً 17.

وبناءاً على ما تقدم فإننا ندرك الان، ان ما ينطبق على الدولتين اليهوديّة والمسيحيّة، لا يمكن في اي حال من الاحوال ان ينطبق على الدولة الإسلاميّة، وذلك لان الشريعة الإسلاميّة حددت مُنذ البداية النظام السياسي والسلوك الديني الإجتماعي الذي يحكم الدولة الإسلاميّة، ولم تترك مجالاً للتّاويل في ذلك. وهذا يُفسّر لنا كُنه العلاقة الوثيقة والتناغم بين الحياة اليوميّة للفرد المسلم وبين الشريعة الإسلاميّة، فكل نشاط او سلوك لا يُفضي إلى الفضيلة، او كان خارجاً عن حدود الشريعة الإسلاميّة، فإنّه بدعة ومفسدة لا يُؤخذ بها 18 .

وقد ادرك العَالمُ هذه الحقيقة مُنذ البداية، فالشريعة الإسلاميّة قد طُبّقت بشكل ٍ أو بآخر، على مدى الف واربعماية عاماً على الرغم من تسلّل العلمانيّة إلى المُجتمعات الإسلاميّة ، والشواهد على ذلك كثيرة، ومنها الدولة التركية، فقد حافظت الامّة والمجتمع على جوهر العقيدة على الرغم من علمنة الدولة، والحزب الإسلامي التركي وصل الى السلطة منذ عقد ٍ من الزمان، وهذا رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان، يدير شؤون البلاد بروح الشريعة الإسلاميّة من بعلمانية الدول الغربية . فالديمقراطيّة على سبيل المثال، لم ولن يُكتب لها النجاح في بلاد المسلمين، وذلك لمخالفتها أهم اصل من اصول الشريعة الإسلاميّة، فالديمقراطية الغربية تنادي بالحريّة المُطلقة والحكم بإسم الشعب بالشعب وللشعب، في حين يقوم نظام الحكم في الإسلام، على نصوص الكتاب والسُنّة النبويّة بإسم الله وبالله ولله، فالكلمة الاولى والأخيرة في كافة مناحي الحياة الإجتماعيّة تُحددها الشريعة الإسلاميّة. ولهذا السبب فقد فشلت الانظمة الغربية فشلاً ذريعاً في ترويج وفرض الديمقراطيّة الغربية في الدول المسلمة، لتكون بديلاً للشريعة الإسلاميّة على الرغم من تواطؤ الانظمة الحاكمة معها 19 ، إلا ان ذلك لا يمنع تبني نظاماً دمقراطياً إسلامياً، ينطلق من أصول الشريعة، ويحقق العدالة والمساواة والحرية والمشاركة السياسية، لجميع أفراد الأمة إنطلاقاً من أهلية الأداء، ويمنع إحتكار السلطة بأيدي فئة محددة من الشعب، كما هو الحال منذ تولي الامويين السلطة.

وقد لاحظنا انه كلما حاول الغرب وحلفآئهم من الانظمة الحاكمة في الدول المُسلمة، من فرض الديمقراطية الغربية بواقعها وثوابتها الحالية، كلما إشتدّت مقاومة المجتمع لها ورفضها، وقد قاد ذلك ألى ظهور عدد من الإحزاب والحركات المُتشددة، والتي سرعان ما تحولّت الى التطرف وحملت السلاح لمقاومة العلمانيّة، ونادت بإحياء الخلافة الإسلاميّة من جديد، وقد رأينا ذلك بوضوح بعد سلسلة ثورات الربيع العربي، التي وقعت في دول شمال إفريقيا وبلاد الشام والجزيرة العربية منذ أوآخرعام 2010 م ، وقد تبنّت هذه الاحزاب المُتطرّفة كالقاعدة وداعش وجبهة النُصرة وغيرها، ثقافة العنف وجزّالرقاب لكل من يعارض او يرفُض مبايعة دولة الخلافة الإسلاميّة في سوريا والعراق وليبيا . فإنتشرت داعش بالذعر والعنف، وفرضت الحدود الشرعيّة حسب الفهم الشرعي المحدود لهؤلاء، وقد تعاطفت حركات إسلاميّة وفئآت كبيرة من الشعوب المُسلمة مع هذه الحركات المُتطرفة، بإعتبارها بديلاً للأنظمة السياسيّة الفاسدة، التي حكمت الأمّة الإسلاميّة بالحديد والنار، إلا ان ذلك لم يدم طويلاً فسرعان ما بدأت الحقائق تتكشف للعامة، امام فساد هذه الحركات المتطرفة التي خالفت شرع الله قولاً وفعلاً وتقريراً . إلا ان ذلك لا يُخلي جانب الامة من تحمّل جزءاً من المسؤوليّة، إلى جانب الأنظمة الحاكمة، التي قادت إلى وقوع مثل هذه الكارثة الإنسانية في العالم العربي . ففساد مؤسسة الحكم وما صاحبه من ظلم إجتماعي، وخنُوع الامة وفشلها من القيام بواجبها، وركونها إلى مُداهنة ألسلطان بدلاً عن مسآءلته ومحاسبته، كان السبب الرئيس لقيام مثل هذه الحركات المُتطرفة، التي تسعى إلى زجّ العالم الإسلامي في مواجهة عسكريّة على كافة المستويات محلّيّاً وإقليميّاً ودوليّاً .

لقد قامت حركات وانظمة إسلاميّة مُتشددة في عدّة مناطق في العالم الإسلامي في الاربعة عقود الماضية، والامثلة على ذلك كثيرة، فقامت دولة الشيعة في إيران والعراق، والان يُحاول الشيعة السيطرة على مقاليد الحكم في اليمن، وكذلك نشأت القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة، تحت أعين المجتمع الدولي ورعاية القوى الإقليميّة والدوليّة، وترعرعت في أفغانستان وعاشت عنفوان شبابها في باكستان والسودان واليمن وبعض الدول الإفريقيّة، ومن هناك إجتاحت العالم الإسلامي وأعلنت حرباً شعواء على العالمين. ولا ننسى ان نذكر في هذا المقام النظامين السعودي والهاشمي على معظم أراضي شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ( الذي إنحصر في نهاية المطاف بالاردن)، الذين وصلا الى الحكم بمساعدة دولة بريطانيا العظمى وتواطؤ فرنسي، مقابل قيام دولة دولة يهودية على الاراضي العربية الفلسطينية.

وقد حقق آل سعود أطماعهم وبرنامجهم السياسي، من خلال تبني مبادئ الحركة الوهابيّة المُتشددة، كما نجح الهاشميون من تأسيس مملكتهم برعاية بريطانية، وتعاطف العشائر الأردنية التي نظرت إلى الهاشميين بعين الولاء والعطف، لإرتباط نسبهم بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم على حد زعمهم، وكما أشيع بين الناس.

فتقديم المصالح الخاصة على المقاصد العامة للشريعة والمصالح العامة للأمة، يوُضّح لنا حقيقة حالة الإنفصام والتباين في السلوك، التي تعيشها الامّة الإسلاميّة على كافة المُستويات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة والإجتماعيّة في العصر الحديث، وذلك بسبب تسرّب الثقافات الغربيّة إلى الثقافة الإسلاميّة من جهة، وبسبب تقديم المصالح الفرديّة للأنظمة الحاكمة على المصلحة السياسيّة العامة للامّة الإسلاميّة من جهة ثانية، والتي نجم عنها إحداث فجوة إجتماعيّة عظيمة في مجتمعات الدول المُسلمة، بسبب عدم توافق وتناغم وإنسجام السلوك السياسي للأنظمة الحاكمة، والسلوك الإجتماعي العام للأمّة، والمرتبط إرتباطاً وثيقاً بالشريعة الإسلاميّة، والأعراف والتقاليد العامة للمجتمعات 20 .

لقد تمكّنت الإتجاهات الإسلاميّة من فرض وجودها على الساحة السياسية، من خلال الشارع العربي، وقد وصلت الى السلطة عن طريق الديمقراطية المزعومة، كما كان من أمر الاخوان المسلمين في فلسطين ومصر، وجاء إسماعيل هنية كرئيس لوزراء السلطة الفلسطينيّة في الضفة الغربية منذ أكثر من عقد من الزمان، كما جاء الرئيس محمد مرسي، ليكون اول زعيم مصري يصل الى سدة الحكم من خلال صناديق الإقتراع، وقد فرض ذلك واقعاً جديداً على مصر والعالم العربي الذي راح بين معارض ومؤيّد، إلا ان ذلك التطور الكبير قد كان نذير شؤم لكافة الانظمة السياسيّة العربيّة والعالم الغربي، الامر الذي جعل هذه القوى تقف وقفة رجل واحد، في وجه المد الإسلامي ونجحوا بإسقاط حكومة الإخوان في فلسطين، الامر الذي شجّع حركة حماس إلى الإنشقاق، وتشكيل دويلة أخرى للإخوان المسلمين في مدينة غزّة الفلسطينيّة، وتكررت المأسآة في مصر، وعمل المتآمرون من الانظمة الحاكمة على تعطيل حكومة محمد مرسي وظيفيّا، لاثبات عدم قدرة الإخوان على الحكم، وبالتالي تمهيد الطريق لإنقلاب عسكري، وحسم الامر لصالح العلمانيّة وعملائها في الداخل والخارج .

وبشكل ٍعام فإن حالة الصراع والتخبّط التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، لا تختلف كثيراً عن حالة التخبّط السياسي التي يعيشها الغرب، لكن درجة الإختلاف والتفاوت تكمن في الدين ومدى تأصّل ورسوخ العقيدة في سلوك الفرد، ولو عقدنا مُقارنة بسيطة بين تركيا الدولة الإسلاميّة ( السُنّيّة ) العلمانيّة، وبين إيران الدولة الإسلامية ( الشيعيّة) الأصوليّة، والمملكة العربية السعوديّة ( السُنّيّة ) الوهابيّة الأصوليّة المُتشددة، لوجدنا ان الدين هو المُنظّم الأساسي لكافة شؤون الدولة على الرغم من الإختلاف والتباين الواضحين في وسيلة التطبيق . فالظاهر للعيان ان المؤسسة العلمانيّة هي المؤسسة الحاكمة في تركيا، إلا ان الحقيقة خلاف ذلك، حيث ان الإتجاه العام لصُنّاع القرار السياسي الحالي، لا زال مرتبطاً إرتباطاً وثيقاً بالدين، وكذلك في إيران والسعوديّة، فإن المظهر المُتشدد لنظام الحكم لم يُحقق رؤيا الإمام الخميني وآل سعود، ومجلس العلماء الأعلى الذي أمسك بزمام الحكم، والذي أصبح شكلاً جديداً من أشكال السلطة الحتمية تحت مظلة الدين، الأمر الذي افشله ولم يلاقي رواجاً كبيراً في المجتمين الإيراني والسعودي، لتاثيره السلبي على السلوك العام للمجتمع الذي أدّى بالنهاية الى التطرف والمُغالاة 21 ، وما النقلة النوعية السياسية المعاكسة التي تبنّها النظام السعودي الحاكم، الرامية إلى تحقيق أهداف سياسية جديدة، في سياق صفقة القرن وإطار الشراكة السعودية – الخليجية، المصرية، الامريكية – الإسرائيلية، إلا مثال آخر على حالة التخبط والإنفصام السلوكي الديني للدولة خصوصاً والفرد عموماً.

وعلى العموم فإن الشريعة الإسلاميّة لا زالت تُطبّق في بعض الدول المسلمة كالسعوديّة وإيران وباكستان ! بالإضافة إلى تركيا الدولة المسلمة والعلمانيّة الوحيدة، ناهيك عن باقي الدول المسلمة الاخرى التي تُسمّي نفسها دولاً مسلمة أو إسلامية، إلا ان الواقع يقول انه لم تتمكن أية دولة مُسلمة حتى الان، من تبنّي نظاماً سياسياً وسطياً يقيم توازناً معقولاً بين المؤسستين السياسية (العلمانيّة) والدينيّة (الأصوليّة)، وربما كانت حالة الفوضى العامة، وعدم الإستقرار السياسي والصراع العسكري، التي إجتاحت دول العالم الإسلامي،وخصوصاً العالم العربي منذ عام 2010 م هي نتاج هذا التباين الديني والأيدولوجي، وتأرجحه بين مثاليّة دينيّة مرجوّة وواقع ٍ ماديّ فاسد، قام على الصراع بين القوى السياسيّة محليّاً وإقليمياً ودولياً .

نعود إلى محور الحديث ونقول ان كافة الاديان أصبحت مُهيئة من جديد، لتعبئة الشعوب لشن الحروب والحملات العسكريّة، وخصوصاً في هذا العصر، حيث أخذت العلاقات بين الاديان تنحدر الى ادنى مستوياتها، بسبب إنتشار الفكر التطرّفي بينها، وإنحسار رؤية التصور الديني ضمن نطاق النصوص، وإستمرار الأنظمة السياسية العربية الحاكمة بإحتكارالسلطة والإنفراد بصنع القرار، وعدم رغبتها او نيّتها بإجراء الإصلاحات الدستورية والسياسة اللآزمة، لتوسيع نطاق المشاركة السياسية، إنطلاقاً من مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وتفعيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفصلها، لتحقيق مبدأ عدم تغوّل أي منها على سلطة أخرى، لتتمكن كل منها أدآء واجباتها المنوطة بها وفق أحكام الدستور، وتمكين القانون من جميع مؤسسات الدولة لضمانة شفافية الأدآء، وترسيخ ثقافة المسآءلة ضمن مبادئ العدالة والحرّية والمساوآة، وصيانة الحقوق الخاصة.

فشل الدولة العربية بمواكبة النظام السياسي الديمقراطي العالمي، وإنخفاض دخل الفرد، وإنحدارالحياة الجتماعية والإقتصادية العامة وظهور التفاوت الطبقي، وإنتشار البطالة وإرتفاع نسبة الفقر إلى أعلى مستوياتها، إلى جانب فشل الدولة بتأمين الإحتياجات الأساسية لمواطنيها، وتراجع برامج الخدمات الإجتماعية، في الوقت الذي تقوم فيه الأسر الحاكمة، بتبذير مقدرات واموال الشعب على البذخ والفجور، ومصادرة الدولة للحريات وتكميم الأفواه، وممارسة القمع لتحقيق الضبط السياسي داخل المجتمعات العربية، شجّع على نمو وتفاقم الروح العدائية بين الاديان والطوائف التي كانت ولا زالت الهدف الاسهل للهجمات الإرهابيّة من جهة، وبين الأنظمة الحاكمة من جهة أخرى، الأمر الذي اوجد بيئة مناسبة لظهور مشاعر عدم الرضا والحنق بين صفوف أبناء الشعب. وقد ساعد ذلك إلى ظهور حركات معاكسة تنادي بالتخلّص من الإسلام والمسلمين في العالم الغربي، وحركات أخرى محلّية توجّه بإصبع الإتهام إلى التنظيمات التي تنادي بالإسلام السياسي، وحركات شعبية اخرى ناقمة على الدولة، بسبب إنتشار الفساد وإحتكارها للسلطة. وقد إنعكست هذه الظروف مجتمعة على سلوك الفرد الغربي في تعامله مع الأقليّات المسلمة المقيمة بالمهجر، والتي أصبحت الان مُهَدَدَةً لا تامن على سلامتها، كما إنعكست على سلوك الفرد العربي، وأدت إلى ظهور نهضة فكرية سياسية مقاومة، ورافضة للسياسات العربية والغربية في آن واحد ٍ، وخصوصاً بعد تبنّي الحكومات الغربيّة قوانين صارمة تحديداً فيما يتعلق بشؤون الهجرة، قادت إلى إجراءآت أمنية مُشدّدة، تستهدف المواطن المسلم عموماً والعربي خصوصاً، تراوحت بين تحديد إقامة ومنع سفر ودخول للدول الغربية، في محاولة لمواجهة ومقاومة المد التطرفي لبعض الحركات الإسلاميّة، في جميع أنحاء العالم، فهذا الحلف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكيّة إلى جانب حُلفاؤهم العرب، الذين عُرفوا بالمحورالسُّنّي يقومون بتوجيه ضربات جوية، على مواقع الحركة الإسلاميّة المتطرفة ( داعش )، التي حاولت ولا زالت تحاول، إقامة دولة الخلافة الإسلاميّة في العراق وبلاد الشام وليبيا. وقد أدّى ذلك إلى توسّع دائرة الصراع ودخول لاعبين جُدد، وخصوصاً منذ فوز دونالد ترمب بإنتخابات الرئاسة الأمريكية، وإلتزامه مع اليمين المتطرف المسيحي، بالتدخّل لصالح دولة الإحتلال الصهيوني، وتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، وتكريس الهيمنة الصهيونية بالشرق الاوسط، من خلال مشروع صفقة القرن، التي تحاول واشنطن فرضها على المنطقة، بالتواطؤ مع بعض الدول الخليجية بقيادة السعودية إلى جانب مصر، في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية ومحو الهوية الفلسطينية، وإعادة توزيع القوى السياسية بالمنطقة جغرافياً وسياسياً، على حساب الشعبين الفلسطيني والأردني.

و الظاهر لغاية الان ان تضارب وتباين الأهداف والغايات السياسيّة، بين اعضاء الحلف قد أطال من عمر داعش وجميع الحركات التطرفية، وتقوية القوى السياسية الجديدة التي تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلى جانب فشل مساعي صفقة القرن في مؤتمر البحرين للترويج إقتصادياً للصفقة، الامر الذي يُرجّح عملية فرض قسرية للشق السياسي من صفقة القرن، الذي سوف يزيد من حالة التوتر بالمنطقة، ويُهدد بوقوع حرباً إقليمية وربما عالمية، وخصوصاً مع محاولات واشنطن عزل إيران وتحديد قدراتها النووية، ودورها كقوة إقليمية في المنطقة، إلى جانب محافظة واشنطن على الوضع الراهن، لإستخدام سيناريو خطر التهديد الإيراني على العروش الخليجية كفزّاعة، لتُمكن البيت الأبيض من الإستمرار بممارسة عملية إبتزاز أمنية وسياسية طويلة الأمد، تبقي العروش الخليجية في القبضة الأمريكية، وتحافظ على إستمرارية إستنزاف الثروات العربية، وتدفّق الأموال إلى الخزينة الأمريكية. إذن نحن موعودون بمواجهة حرب دينية على شكل تصفيات تطهيريّة سياسيّة – عقديّة تنطلق من فلسفة تكفيريّة لجميع الشعوب والاحزاب والجماعات والدول المعارضة، والتي سوف تزج بديانات التوحيد الثلاثة في حرب دينيّة جديدة، تنطلق من شرعيّة واحدة ! 22 .

الحاشية:

1) انظر : Will Durant. The Story Of Civilization IV : The Age Of Faith : The Sword Of Islam ( Simon And Schuster, New York ,1957) ,453-458.

2) سورة المدّثر 31 .

3) البخاري ، صحيحه ،2783 / مسلم ، صحيحه 2406 .

4) مرجع سابق ،Will Durant , pp, 182-186

5) مرجع سابق ، Will Durant . 187

6) Geoffrey W .Conrad and Arthur A . Demarest, Religion and Empire

,(Cambridge: Cambridge University Press ,1984)28-29,38,47,69 .

Diarmaid MacCulloch, Christianity: The First Three Thousand Years. (7

Viking Penguin, 1st American Edition, USA, 2010)66-67. 8) Mark Tessler , A History of the Israeli – Palistanian Cinflict . ( Indiana University Press : Bloomington and Indianapolis 1994),p397.

9) Timothy D. Barnes, Constantine and Eusebius. ( Cambridge, MA: Harvard University Press,1981),p 30-31. 10) William Smith & Henery Wace. A dictionary of Christian Biography: Literature, Sects, and Doctrines. Vol – 3. Hermogenes – Myensis.London : William Clowes and Sons, Limited. 1882.

11 )Karen Armstrong. Holy War.(Anchor Books .New York, 2001).1.

12) مرجع سابق : Will Durant .769-783

13) Will Durant . The Story of Civilization 6: The Reformation. ( Simon and Schuster, New York, 1957), 453-458.

14) عدنان السيد حسين ، العلاقات الدولية في الإسلام ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت –لبنان ط2 2010 ، ص128 .

15) * القاضي ابي يوسف : كتاب الخراج ،ضمن كتاب الخراج الذي يحتوي على كتاب الخراج للقاضي ابي يوسف وكتاب الخراج للإمام يحيى بن آدم القرشي وكتاب الإستخراج لاحكام الخراج لابن رجب الحنبلي . دار المعرفة ، بيروت – لبنان ، ص 144 .

16) المرجع السابق ص 125- 126 .

  * شِبلي النعماني :الفاروق . تعريب لجنة التاليف والترجمة دار السلام . سمير عبد الحميد ابراهيم . دار السلام للنشر والتوزيع ، الرياض – السعودية  , ص 330 – 347 .

17) Hugh Kennedy , The Great Arab Conquests ( Philadelphia : Da Capo Press ,2007 ),50.

18) Bernard Lewis . What Went Wrong? The Clash between Islam and Modernity in the Middle East (New York, Harper- Collins, 2002).100.

19) Samuel P Huntington . The Clash of Civilizations and the Remaking of the World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), 114.

20) Noah Feldman . The fall and Rise of the Islamic State (Princeton University Press, 2008), 79. 21) المرجع السابق ، 137 .

22) Samuel P Huntington . The Clash of Civilizations? Foreign Affairs, Summer 1993.

ملاحظة هامة: كامل الحقوق محفوظة للمؤلف في مكتبة الكونغرس الأمريكية

اترك رداً