الهاشميين بين خيار الإمارة أوالتجارة - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

الهاشميين بين خيار الإمارة أوالتجارة

د.عادل الكردي

لم يجد الباحث بتاريخ الأديان السماوية صعوبة بتكوين تصوّر للأنظمة السياسية للدولة القديمة، وطبيعة الحياة الإجتماعية في المجتمعات اليهودية والمسيحيّة والإسلامية القديمة. وقد كان نظام الحكم فيها بسيطاً يخلو من التعقيدات، ولم يكن يختلف على ذلك اثنان، واهم ما ميّز الحاكم القديم فصله بين مصالحه الخاصة ومصالح الدولة، وقد اكدت الشواهد الشرعية على هذه الحقيقة، بل أن جميع الأنبياء عملوا في مهنٍ وحرف مختلفة، ولم يستغل احدهم نبوّته، ليتكسب منها او ليجمع ثروات طائلة، وقد مات جميع الانبياء فقراء، بما فيهم يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، على الرغم من جمعهم بين النُبوّة والمُلك.ولم يختلف حال الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين عن ذلك كثيراً حيث قامت على ذات الأسس الشرعية.
ولم تظهر ثقافة الفردانية والشخصنة وحب الذات إلّا مع تبوء بني اميّة الحكم، حيث عملوا على تحويل نظام الحكم إلى ملكي وراثي، ومنذ تلك اللحظة وجد الفساد طريقة بين السلالات العربية الحاكمة إلى يومنا هذا.
وقد تفاوت الفساد من حاكم لآخر، اما في الدولة الاردنية الحالية فقد جمع النظام جميع اشكال الفساد فيها، وعلى جميع المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وقد إنتقل الفساد بإنتقال السلطة من سلف لم يكن المثل الأعلى، إلى خلف اكثر فساداً وإفساداً بين جميع رجالات الدولة والنظام الحاكم.
وقد حرصت جميع الشرائع السماوية، والقوانين الوضعية المستمدة من منظومة الأحكام الشرعية، على التأكيد على الفصل بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، وبين الملكيات الخاصة وأملاك الدولة، لتجنّب الوقوع بالمحظور ومنع تداخل المصالح وتضاربها، وقد إهتمت الأنظمة السياسية الحديثة بهذا الجانب أيما إهتمام، وقد اوجدوا أليآت مناسبة لتحقيق ذلك، من خلال منظومة دستورية قانونية واضحة تضمن فصل السلطات ومراقبتها مراقبة ذاتية، من خلال تبني الشفافية المطلقة، والمسؤولية الكاملة والقائمة على مبادئ التقييم والتقويم والمسآءلة والمحاسبة. وفي الوقت الذي حققت فيه الدول الغربية إنجازات عظيمة في هذا المجال، فقد انحدرت الأنظمة العربية الى الحضيض، وغاصت في مستنقعات الفساد، حيث تعامل الحاكم العربي ورجل الدولة مع المنصب العام، على انه فرصة ذهبية لتحقيق ثروات طائلة، وليس تكليفاً وأمانة ومسؤولية..! وقد نجح هؤلاء ببلوغ اعلى درجات الفساد من خلال تبني سياسات الترغيب والترهيب تارة، والبطش وتشديد القبضة الامنية تارة أخرى، إلى جانب تبني كثير من الوسائل الأخرى مثل كبت الحريات وإخضاع الشعوب وتكميم الافواه، وإشغال الشعب بلقمة العيش.
والاردن كواحد من دول منظومة الفساد الممتدة من المحيط الى الخليج، تمكن فيه الهاشميون من تحقيق ثراء فاحش وخصوصاً في العشرون عاماً الماضية منذ تولي عبد الله الثاني الحكم بعد وفاة والده الملك الحسين بن طلال.
ومن المعروف ان الملك الراحل قد حرص على توفير حياة كريمة لشعبه على الرغم من محدوديّة امكانيات وثروات الوطن الإقتصادية، ولا نعني بذلك خلو البلد من الفساد آنذاك، وإنما تمكن النظام من إقامة توازن الى حد ٍ ما بين مصالحه الخاصة، وبين المتطلبات الأساسية للدولة والشعب، وفق الثوابت الوطنية والقومية التي حدّدت مساريّ السياسة المحلية والأجنبية والأولويات الأخرى، وقد شهدت الدولة في عهد الحسين مرحلة بناء وتقدّم ونهضة اقتصادية وتعليمية وثقافية، وكان مجموع الدين العام للدولة لا يتجاوز الستة مليارات ، وكانت نسبة الفقر فيه بأدنى مستوياتها، ونسبة البطالة لا تتجاوز ال٧٪ .
أما الان في عهد الملك عبدالله الثاني ويكأن الواقع يقول: ” إهدموا كل إنجاز ودمرو التعليم والمجتمع والاسرة وبيعو الوطن ومقدراته”، حيث ارتفع الدين العام للدولة قرابة السبعة اضعاف حسب المعلومات التي صرّحت بها الدولة..وبيعت مؤسسات الوطن الإقتصادية وارتفعت نسبة البطالة بين صفوف الشباب الى حوالي ال٤٩٪، كما وبلغت نسبة الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر إلى ٧٥٪.
ولم يبقى لنا مؤسسة اقتصادية وطنية واحدة تلبي حاجات الوطن والمواطن، ورهن الملك نفسه اسيراً لنزواته ورغباته، وقام بتقسيم البلد بينه وبين خاصته بطريقة لم تعطي فيها المواطن فرصة للعيش الكريم، وقام بإطلاق يديّ زوجته وعائلتها بالدولة ومؤسساتها، حيث سيطرت الملكة رانيا على قطاعات التعليم والصحة والإتصالات، في الوقت الذي إحتكر فيه شقيقها مجدي الياسين على قطاع تموين وإعاشة القوات المسلحة والأجهزة الامنية بالطعام والشراب، وخالها حازم الراسخ إحتكر عدة عطاءات حكومية مثل الاعلانات على سبيل المثال وليس الحصر، إلى جانب العمولات المفروضة على قطاع الاستثمارات الخاصة والمنتفعين من رجال الدولة.
وقد تمكنت الملكة رانيا من خلال تشديد قبضتها الامنية، وتجنيد جيس من الموظفين الموالين لها، إلى جانب تسويق نفسها عالمياً في مجالات الأزياء والعمل الإجتماعي تحت شعارات الريادة والتدريب والتطوير، من إقامة منظومة من الأكاديميات والمؤسسات الإجتماعية، التي إحتكرت قطاعات التعليم والصحة والإتصالات، وقد بلغ عددها اثني عشرة مؤسسة موزعة كالتالي:
1- جمعية الملكة رانيا لرعاية العسكريين وأسـرهـم (٢٠٠٤).
2- مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية.
3- صندوق الملكة رانيا لأمان مستقبل الأيتام.
4- صندوق الملكة رانيا لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الريف والبادية والمخيمات ( وقد تسبب بإدخال عشرات الألوف من الناس بالسجون او الهرب خارج البلاد لعدم تمكنهم من الإلتزام بشروط العقود الغير عادلة).
5- جمعية الملكة رانيا للتميز التربوي.
6- أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين.
7- مركز الملكة رانيا للدراسات التربوية والنفسية.
8- مشروع الملكة رانيا مدرستي لتأهيل المدارس الحكومية.
9- مركز الملكة رانيا لتكنولوجيا التعليم والمعلومات.
10- جمعية الملكة رانيا للتوعية الصحية.
11- مؤسسة الملكة رانيا نهر الاردن.
12- مركز الملكة رانيا للريادة.

وقد احيطت جميع هذه المؤسسات بالغموض من حيث ظروف نشأتها، ودورها الوظيفي وطريقة إدارتها، إلى جانب الكم الهائل من الأرباح التي حقّقتها على حساب الوطن ولقمة عيش المواطن !. وكل مؤسسة من هذه المؤسسات تروي لنا حكاية فساد مميزة تسببت بمآسي ٍ إجتماعية كبيرة الأثر، على قطاعات سكانية كبيرة وفئات مختلفة من المواطنين.
والظاهر ان الغاية من إقامة هذه الأكاديميات والمؤسسات هو استنزاف طاقات ومقدرات الوطن.. واكثر مثال بارز على ذلك يتمثّل بتغوّل أكاديميات الملكة رانيا التعليمية على قطاع التعليم، وتسخيير هذا القطاع لتحقيق أرباح هائلة، من خلال فرض سيطرتها المطلقة على وزارة التربية والتعليم، وإخضاع المعلمين لشروطها وجشعها. الامر الذي اجبر المعلمين على الخروج عن صمتهم وإعلان إضراباً عاماً عن التدريس بعد فشل الحوار مع الدولة على مدى سنوات طويلة.
وقد حاولت الملكة رانيا التصلب بموقفها لحماية مصالحها الخاصة على الرغم من عدم إمتلاكها المصوغ القانوني ولا الشرعية الدستورية، التي تخولها من إحتكار عملية تطوير وريادة القطاع التعليمي، ولا حتى الولوج فيه او إلاقتراب منه للأسباب المذكورة آنفاً … وبفضل الدعم الشعبي الكبير لمطالب المعلم، وافقت الدولة مكرهة على الإستجابة لهذه المطالب حسب ما اتفق عليه الجانبان… وتبقى المعضلة الأساسية قائمةلغاية الان، والمتمثلة بشرعية هذه المؤسسات ومدى قانونية إستمرارية عملها… فهل توقيع اتفاقية بين المعلمين والدولة ممثلة بوزارة التعليم كانت الغاية منه أساساً للوصول إلى إعتراف بشرعية وقانونية هذه المؤسسات، ومباركة لها لتواصل دورها الربحي الخاص، على حساب مقدرات الوطن، وإبتزازاً لحاجة المعلم المُلحّة لتحسين ظروفه المعيشة؟

يجب ان لا ننسى متابعة هذه المؤسسات قانونياً لتحديد شرعيتها اولاً، واحقيتها
( إذا ملكت هذا الحق) للقيام بهذا الدور التعليمي الكبير، الموكل اساساً إلى وزارة التربية والتعليم، وليس إلى أيّة مؤسسة خاصة، تعمل تحت مظلة الدولة بطريقة إحتكارية تعدّت على حقوق الآخرين بالعمل بهذا المجال . بالاضافة الى ذلك يجب فتح تحقيقات شاملة ومتابعة جميع هذه المؤسسات وأصولها واموالها المنقولة وغير المنقولة، للوقوف على المخالفات والجرائم المالية المرتكبة وإحالتها إلى القضاء للبت بأمرها.

فالظروف التي جاءت بااكاديميات ومؤسسات رانيا الياسين، ليست نقية وغير واضحة واهدافها خاصة بإمتياز، وقد لبست ثوباً ليس بثوبها، وإجتمعت فيه جميع اوصاف النقص في آن واحد.. فقد كان عارياً وفاضحاً للعورة في الوقت الذي إدعى فيه الستر والعفاف ! ولم يراعي فيه من خاطة شروط اللباس الشرعي… ولم يملك الحد الادنى من الشرعية والستر المتمثلة بالغاية..
فلم تقم هذه الأكاديميات والمؤسسات على شرعية الإستحقاق، القائمة على مسؤولية الأدآء والشفافية وتحقيق المصلحة العامة بقدر ما قامت لتكون مظلة تشرعن الفساد والسرقة…والادلة على ذلك كثيرة منها:
١) صفة مُلكية الاكاديمية خاصة وليس لها اساس قانوني يبرر وجودها بوضعها وصفتها ووظيفتها الحالية.
٢) إحتكارها لوظيفة او وظائف رسمية عامة دون وجه حق، وتجريد الجهة الرسمية ( الدولة / وزارة التربية والتعليم) حتى من القيام بهذا الدور المنوط بها رسمياً ووظيفياً.
٣) التحايل على قوانين الدولة وإستغلال اموال وموارد الدولة لتحقيق مكاسب خاصة، تعود بالفائدة على المالك الشرعي( الملكة رانيا) للأكاديمية، مثل الاستخواذ على المساعدات الأجنبية لتطوير قطاع التعليم ومن امثلة ذلك المساعدة الامريكية البالغة ٢٥٠ مليون دولار سنوياً، إلى جانب اقتطاع اموال من ميزانية الدولة دون وجه حق، واجبار المعلمين على تلقي تدريبات ودورات مدفوعة الاجر مسبقاً من خلال برامج المساعدات الاحنبية، واجبار المعلم على دفع رسوم ٣٠٠٠ دينار نظيرها.
٤) التدخل بعمل الدولة دون مصوغ دستوري وقانوني واضح، يحدد الاسس لعلاقة الاكاديمية بالدولة وتحديداً وزارة التربية والتعليم، بعيداً عن المحاباة وسوء استخدام السلطة من قبل المالك الشرعي للأكاديمية ( الملكة رانيا) لتحقيق مكاسب غير مشروعة عن طريق سوء الإئتمان.
٥) تحديد مسار العملية التعليمية والتأثير عليها لخدمة اجندات اجنبية لا تخدم الوطن، والتي من شأنها التأثير على ثقافة الاجيال المستقبلية، والتي سوف تنعكس ثقافتها سلباً على جميع المستويات السياسية والإقتصادية والإجتماعية خلال السنوات القادمة .
٦) إبتزاز المعلم عن طريق اجباره بتلقي دورات وتدريبات تحت مظلة الريادة والتطوير، وربطها بنظام العلاوات والترفيع .
٧) إستخدام السلطة للتأثير على نظام الإعارات المعمول به مع الدول العربية المجاورة، كوسيلة ضغط لإجبار المعلمين للتسجيل بهذه الدورات التدريبية مقابل مبالغ مفروضة.
٨) تعطيل العملية التعليمية العامة في المدارس الحكومية من خلال نشر ثقافة الخصخصة في قطاع التعليم، وإحتكارها لصالح فئة محدودة من المستفيدين على حساب العملية التعليمية بالمدارس الحكومية .
هذا غيض من فيض، وهناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الموضوع… ولكن المهم في هذا السياق هو معرفة اين تقع اكاديميات الملكة رانيا في المشروع التعليمي بالدولة اليوم، والعمل على محاسبتها ومساءلتها قانونياً، فيما يتعلق بجميع المخالفات القانونية المرتكبة، والتي تجاوزت بكثير التوصيف الجنائي الذي يُجرم المالك الشرعي لهذه الأكاديميات والمؤسسات…
فما هو مصير الاموال المنهوبة والمكتسبة بغير وجه شرعي ؟ وما هي الخطة لتحديد عملية الريادة وانهاء احتكار الأكاديمية للعملية التدريبية… وإنهاء ثقافة البزنس والتجارة والتكسّب للأسرة الحاكمة، الذي تسبّب بما يسمى بتضارب المصالح والمعروف حُرمته من الناحية الشرعية والمبينة بالقانون على حد سواء، فعلى الاسرة الحاكمة الإختيار ما بين الإمارة والتجارة، وعليهم الخضوع لجميع اللوائح والقوانين والتنظيمات المعمول بها بالدولة والتوقف عن سوء إستخدام السلطة والكسب الغير مشروع، فالجميع تحت القانون، وإن كانت المادة ٣٠ من الدستور الاردني قد قامت بإستثناء الملك من ذلك وحمايته من كل تبعة ومسؤولية، إلا ان ذلك لا ينطبق على عموم الهاشميين

اترك رداً