ولا زال الحال على ما عليه!!! - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

ولا زال الحال على ما عليه!!!

د.عادل الكردي

لا زالت الشمس تشرق كل يوم ٍ بصبح ٍ جديد، وتُسدل خيوطها على يوم ٍ قد اوشك ان يمضي ويغيب، ويترك خلفه أحداثاً منها ما سوف يُنسى، ومنها ما سيبقى عالقاً في ذاكرة التأريخ إلى ما شاء الله.
لا زلنا نعيش بنفس الرتابة التي عودنا عليها الآباء والأجداد، ومن سبقهم من السلف، ولا زلنا نؤكّد على حقيقة التبعيّة المقيتة لاحدهم، فحدّدنا بها فرص نجاحنا لإحداث التغيير المناسب، لإخراجنا من مستنقع الفساد، وتوسيع نطاق فُسحة الامل التي عشنا ننتظرها بقدوم فجر ٍ جديد يحمل معه كل جديد !!.
لا زلنا ننتظر قدوم هذا الزائر الذي لطالما إنتظرناه، ولم نرى لغاية الان اي أثر يدُلّ على قدومه، حتى كاد يتلاشى الامل ويحل مكانه فشلٌ جديد نبدأ به يومنا الجديد .
فما هو السر في هذا الواقع المرير الذي نعيشه ؟ هل نُعزي الامر إلى إسقاطة جديدة تُعلّق على شماعة الأقدار وحكمة السماء ؟! ام نبحث عن علة ذلك؟
الكثيرون منا سيلجؤون الى حل الشماعة، والقلة من سيبدأ بالبحث عن العلّة، ويروح في سبر غور ذاته وذات الآخرين ليجد إجابة شافية لضآلته.
كل واحد ٍ منا يُدرك حقيقة الأمور او بعضاً منها بنسب ٍ متفاوته، منا من بحث وعمل بجد ٍ وإخلاص، لبلوغ غايته ووصل إلى نتائج وقناعات، ومنا من سمع وإقتنع، او تجاهل وإمتنع عن إدراك ما يجري حوله لأسباب ٍ ربما تبدو للعيان مقنعة، إلا انها لا تمتُّ إلى الواقع والحقيقة بصلة !.
نحن نرى الخراب والدمار والفساد قد إستشرى بنا وبمؤسساتنا ومجتمعاتنا، ولا نفعل شيئاً لتغيير هذا الواقع، بل على العكس فنحن نأخذ بيد الظالم والفاسد من خلال مواقفنا السلبية، التي اصبحت تعني تأييداً ضمنيّاً للفساد…. فأصبحنا شركاء في هذه الجرائم المتكررة، من خلال إصرارنا على السكوت، وإتخاذ موقف المراقب او الموالي المطيع لله ورسوله، بحجة طاعة ولي الامر والمحافظة على الامن والأمان والستر وكظم الغيظ وغيرها من المبررات الشرعية والسياسية.
من العجيب ان يعترف معظمنا بإدراكه لهذه الحقيقة المُرّة ويتنطع بذلك !! ويُقدّم عجزه على قوّته، وقُدرته على كسب شرف مُحاولة التغيير ( كحد ٍ أدنى )، فولى هارباً ولآذ بضعفه ومبرراته وكفره وفساد ذاته، وفقد إحترام نفسه وأوى إلى رُكن ٍ واهن ٍ، اوهن من بيت العنكبوت، ليتقوقع فيه ويُعلن للملأ، انه لا يسمع ولا يرى ولا ينطق، ثم يتوآكل على الله، آملاً ان يجد لنفسه فُسحة أمل ٍ او مبرر ٍ يجترُّ فيه فشلة وسلبيته امام الآخرين.

لقد امرنا الله تعالى ان نقيم الدين في الدنيا، لكننا اختزلنا الدنيا بمالطا، لنُبرّر تقصيرنا بحمل هذا التكليف، وإقتصرنا وجودنا على السعي في مناكبها، لنأكل من رزق الله، حتى اصبحت الغاية الاولى والهدف الاسمى لوجودنا !!! نسينا ان الحياة امانة ومسؤولية، قبل ان تكون بطن تُملأ او إمرأة تُنكح !!! كيف نستمرئُ اللقمة اذا كانت مُغمّسة بالذل والفآقة والهوان ؟!كيف نبيع الوطن يا أبناء الوطن بثمن بخس ٍ دراهم معدودة ؟! كيف نقايض النفيس بالرخيص؟!
نرفض أن نتسوّل في اوطاننا؛ ونرفض ان يتصدّق علينا المرتزقة والغرباء، ومن أحسنّا إستقبالهم عندما جاؤونا فزعين وحيدين غرباء، بعدما غدر بهم الغادرون من ابناء جنسهم، والمتآمرين ممن الجأووا ظهورهم اليهم، فسلبوهم الإمارة والولاية، وضاقت عليهم الارض بما رحبت، وضاقت بهم الحيل !!!
فبوّأناهم اردننا ارضاً لهم، وفتحنا لهم بيوتنا، واحسنّا مثواهم كرامة لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم .. ولكن شتان بين الأولين والآخرين !!!
رسول الله سيد الخلق في الدنيا والآخرة، آثر ان يأكل ويطعم أهل بيته وقومه من ورق الشجر وخشاشي الارض لمدة ثلاث سنوات في شعب ابي طالب، عندما فرضت قريش على بنو هاشم المقاطعة، على أن يتنازل عن الأمانة والرسالة والواجب الذي اناطه الله به !!!
وحفظ كذلك وُدَّ ومعروف اهل المدينة لموقفهم، عندما أووه وصحبه ونصروه، وقاسموهم الارض والعرض والمال، عندما أخرِجوا من ديارهم…!!
الم تكن الاردن، المدينة المنورة لبنو هاشم هذا العصر ؟! الم يكن الاردنيون، الأنصار الذي قدّموا ارواحهم ودمائهم واموالهم لبني هاشم هذا العصر ؟! لماذا لما يحفظ الهاشميون عهدهم وبيعتهم التي بايعناهم بموجبها؟
واقع الحال يقول : شتان ما بين الهاشميين من آل بيت رسول الله وبين الهاشميين من آل البيت الابيض !!!
الهاشميين الاولين حفظوا العهد، وخَلَفُهُم خان الامانة والعهد والبيعة !!!
أويناهم فشردونا !!! قدّمناهم فأخّرونا !!! كسوناهم فعرّونا !!! أطعمناهم فجوّعونا !!! آمنّآهم فروّعُونا !!! أمِنّاهم فسرقونا !!!

يا ابناء الوطن … لا نريد ان نتساقط واحداً تلو الآخر تباعاً، من خلال صفقات جانبية وعظيمات لا تسمن ولا تغن من جوع …. فالأرض أرضنا وجذورنا ضاربة بالتاريخ، وكما كان الاردن عصيّاً على أمم ٍ وشعوب كثيرة قد خلت، فسيبقى كذلك على كل من يحاول ان يُفرّط بذرة من ترابه الطهور …
لن نستجدي ما منحه الله لنا …فقد خلقنا الله تعالى احراراً أعزّة، وجعلنا شركاء متساوون، وفرض علينا فروضاً توجب القيام بها، وحمّلنا أمانات توجب المحافظة عليها، وسوف نُسأل كأفراد ٍ وجماعات وكشعبٍ عن تقصيرنا بحق الدين والوطن والأمة … فهل نحن على قدر الواجب والمسؤولية المنوطة بنا ؟!
أم أصبحنا كالأنعام المُسخّرة لخدمة الإنسان؛ يشرب لبنها ويحيك اصوافها وأوبارها وشعورها ويلبس جلودها، ويحمل أثقاله عليها، ويُوجّهُها حيثما شاء، ويُنهي حياتها متى شاء، ثم يأكل من لحمها ما شاء !!!

هل نريد ان نكون كما وصف الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء على ظهورها محمول !!!

ام هل فقدنا مشاعر الكرامة والعزّة والرجولة، وتَحوّلنا إلى رُبوتات آلية تعتمد على شحنة كهربائية ولوحة اليكترونية مبرمجة، تقوم بدور ثابت لا يخرج عن منظومة العبودية والتبعية !!!
تباً لها من حياة إذا كان الامر كذلك …لأنها حياة منقوصة بلا غاية وهدف، حياة اموات ٍ يسمعون ولا ينطقون، ويعلمون ولا يعملون !!! .
فإذا حاولنا أن نُقنع أنفسنا بأننا أحياء، فإن الواقع سيكون أكثر رجولة وجرأة منا، فيحكي لنا حكاية أخرى تعبق برائحة الذل والخنوع، لتُجسّد لنا شكلاً جديداً من أشكال الموت، شكلاً لم يعهده الاحياء منا ولا حتى الأموات !.
فالموت التقليدي يتحقق بخروج الروح من الجسد، وهو موتٌ آنيٌ مؤقت ينقلنا إلى حياة البرزخ، في حين أن موت الذات هو اعلى درجات الموت، لانه موتٌ مُطلق ٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذلك لقتله الغاية من الوجود التي خلقنا الله تعالى لإجلها، والتي لها إستحقاقات واجبة التنفيذ، إذا ما أردنا ان نحمل الأمانة كما يجب، والأمانة تعني حُسن السفارة، والسفارة تتطلّب القوامة، والقوامة تبدأ بالنفس ثم الاهل فالعشيرة فالبلدة حتى تبلغ مشارق الارض ومغاربها، وكل ما هو خلاف ذلك يكون نُكوصاً وتقصيراً ومخالفة صارخة لشريعة الله والعرف والتقاليد والذوق السليم .
اصبح الاردنيون مشردون في اصقاع الارض يتسللون الحدود بحثاً عن الأمن والأمان ولقمة العيش وهرباً من التبعات القانونية التي ترتبت على كثيرين منهم بسبب سياسات الدولة الفاسدة إلتي ألجأت الشعب لإقتحام المجهول والدخول بالمحظور وارتكاب المحرمات….! لا يكون الولاء للدولة إلا إستحقاقاً لأداء واجباتها، فلا سمع ولا طاعة لحاكم ظالم او مسؤول فاسد..ولا يكون العقاب إلا لجانح او مُقصر او مهمل بأداء واجب…فلا يُقابل الفساد بالإحسان وإنما بالحزم والقانون ؟!
فإذا احببت، احبب بالله، واذا خاصمت، خاصم بالله، فلكل امرٌ منتهاه، إما جنة وإما نار … والسلبية مُنكرة تحت كل مظلة وتبرير، والغايات لا تُدرك إلا بمقارعة الخطوب، والضعف لا يُولّدُ إلا ضعفاً ووهناً وخنوعاً وتنازلات لها بداية وليس لها نهاية، وليختر كلٌ منا التركة التي سيُخلّفها ورآءه ! فهل ستكون تركة مُشرّفةً يفخر بها اولادنا من بعدنا، وتبوؤنا مقاعد عز ٍ عند مليك مُقتدر ؟ ام ستجعلنا وقوداً لنار تستعر ؟!.
فكلنا مسؤول عن نفسه اولاً ثم عن رعيّته وواجباته، فَرَبُّ الأسرة مسؤول عن أسرته، والمعلم مسؤول عن تلاميذة، والصانع مسؤول عن صنعته، ورجل الدين مسؤول عن إمامته، والحاكم مسؤول عن رعيّته، وكل ولي ُ امر ٍ مسؤول عن ولآيته وجميعنا مسؤولون عن وطننا.

وفي نهاية المطاف فإنه لا يصح إلا الصحيح، فالباطل زآئل وإن كثر، والحق باق ٍ وإن تعثّر، ولا يُصوّبُ الخطأ إلا رجال عُرفوا بالحق ! فلا تحقِرنَّ من نفسك، فالفقير والغني والحاكم والمحكوم مُتساون في إنسانيتهم، متفاوتون في رزقهم وعلمهم، ومن سكن القصور سكن القبور، فإحرص على ان تكون مُخلصاً مع نفسك ومُخلّصاً لغيرك، فلا تُصفق للباطل وإن لبس تاجاً وحمل صولجاناً، او لبس جُبّة وعمامة، او كان قيساً او يمناً، وإتّقي وزر أعمالك بحسن افعالك وأقوالك .

اترك رداً