قانون الدفاع : محاولة لمواجهة وباء الكورونا أم للتخلص من المعارضة السياسية وبيع ما تبقّى من الوطن؟ - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

قانون الدفاع : محاولة لمواجهة وباء الكورونا أم للتخلص من المعارضة السياسية وبيع ما تبقّى من الوطن؟

د.عادل الكردي

إعتادت العرب أن تتعامل مع القضايا والشؤون المختلفة بطريقتهم الخاصة، والتي غالباً ما تأخذ بعين الإعتبار مراكز السلطة والنفوذ، للحفاظ على أنظمة الحكم فيها، ثم تنظر إلى الشعوب بعين العطف المصطنعة إذا كان لديها مساحة ومتسعاً من الوقت… وبمعنى أدق، تعمل أنظمة الحكم العربية على تقديم مصالحها الخاصة مجسدة بالعائلة الحاكمة،
على المصلحة العامة للوطن والشعوب! وفي ذلك ثلاث مخالفات، واحدة شرعية وأخرى قانونية وثالثة أخلاقية.

وبنظرة سريعة للعلاقة بين مؤسية الحكم وباقي السلطات نرى حجم التباين بالمصالح والغايات داخل المجتمع السياسي الاردني.. لقد تأسست إمارة شرق الاردن عام 1921م ووضع أول دستور للإمارة في نيسان عام 1928م عقب توقيع المعاهدة الأردنية البريطانية في شباط عام 1928م، وقد عُرف هذا الدستور ” بالقانون الأساسي”. وقد كان العقد الإجتماعي بين الاردنيين والهاشميين واضحاً آنذاك فيما يتعلق بنظان الحكم السياسي الاردني حتى في الإنتداب البريطاني الذي كان يقاوم فكرة ايجاد دستور بإعتباره سيكون عقبة أمام تحقيق المصالخ البريطانية بالمنطقة، وعقب نيل الإستقلال عام 1946م وقيام المملكة الاردنية الهاشمية، وتلبية لرغبة المواطنين الغير راضين عن دستور 1928م، تم صياغة دستور جديد عام 1947م،ثم اعيدت كتابة دستور جديد عام 1952م عرف بدستور الملك طلال. وقد تميز حكم الهاشميين منذ تأسيس إمارة شرق الاردن إلى يومنا هذا، بتركز السلطات الثلاثة بيد ألاميرعبدالله الاول ( المؤسس) منذ دستورعام 1928م، ثم دستور 1947م وتحول الإمارة إلى مملكة، ثم خلفه ولده الملك طلال، ثم خلفه ولده الملك حسين، ثم خلفه ولده الملك عبدالله الثاني.
وقد تميزت العلاقة بين الهاشميين والسلطة التشريعية والشعب بالحذر الشديد وبقيت في حالة مستمرة من الصراع والشد والجذب تستعر فيه المواجهة احياناً وتخبوا احياناً اخرى، وقد كان محور هذا الصراع تركّز السلطة المطلقة بيد الملك.
لقد فرضت الأحكام العرفية بالمملكة عام 1967م عقب إعلان الحرب العربية الإسرائيلية، التي أسفرت عن أحتلال إسرائيل للضفة الغربية ومرتفعات الجولان وسيناء. وعموماً فقد تميّز حكم الهاشميين منذ البداية إلى اليوم بتهميش المواطن، وعدم السماح له بالمشاركة السياسية وصنع القرار، وإستمر الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على شكل مناوشات فردية بين الملك ورجال الدولة الاردنية الأحرار، كانت غالباً ما تنتهي بفرض إرادة الملك عن طريق المسرحية السياسية المعهودة، القاضية بحل البرلمان وإعادة تشكيله عقب كل خلاف.

وفي الجانب الآخر فقد عاش المواطن حياة بسيطة ممزوجة بمعاناة يوميّة وتدنّي بمستوى المعيشة، على الرغم من الإمكانيات والمهارات والمؤهلات العلمية التي يتمتع فيها، وقد إستمر هذا الوضع حتى بعد رفع الحكام العرفية عام 1989م- 1992م، بل على العكس فقد تراجعت الحريات وكُرّس الحكم المطلق للملك، الذي أحكم قبضته على السلطات الثلاثة ( التنفيذية والتشريعية والقضائية) في عهد عبدالله الثاني، الذي كان من المفترض ان يكون عهده عهد إصلاح وتفعيل للمشاركة السياسية للمواطن الاردني!.

والأردن كدولة فقيرة محدوة الموارد ومُستنزفة الثروات ومُستباحة السيادة، إلى جانب وضع مواطنيها مسلوبي الإرادة والحرية والحقوق وأسباب العيش الكريم من قبل النظام الحاكم، فقد إعتاد الشعب على تقبّل حقيقة كونه بضاعة او مادة قابلة للبيع والشراء حسب معايير العلاقة بين الشعب ومريسة الحكم وحسب ما اثبت واقع التجارب المتكررة مع النظام، لذلك ومن الطبيعي أن نرى الاردن يتحوّل إلى ساحة مزاد عامة كلما دعت الحاجة وسمحت الظروف! وقد تعوّد النظام على إقتناص الفرص لتسييس القضايا وقوننة المصائب، لتمكينهم من التفرّد بالقرار الذي عادة ما يُصاغ ويأخذ شكله النهائي في سياق حسابات ربحية مالية لتحقيق مكاسب مادية للفئة القليلة الحاكمة، وأربابهم من المتكسبين والمنتفعين من هذه القرارات.

وليس خافياً على أحد حجم الأزمتين السياسية والإقتصادية التي يمر بها الاردنيون منذ أن إعتلى عبدالله الثاني العرش خلفاً لوالده الراحل الحسين بن طلال، حيث تحوّل الاردن بكامل مؤسساته إلى كومة من الركام والحطام، وأوشكت الفوضى أن تعم البلاد في أكثر من مناسبة جراء الإفلاس والفساد الإقتصادي والسياسي، نتيجة للسياسات الفاشلة والنزوات الشخصية لعبدالله الثاني، وقرينته رانيا الياسين التي تغوّلت على السلطات الثلاثة والأجهزة الأمنية، في حالة غير مسبوقة بتأريخ الاردن القديم والحديث..وبين عبدالله الثاني ورانيا الياسين ضاع الوطن وتحوّل إلى مزرعة خاصة للهاشميين، أصبح فيها الأردنيين عبيداً لا يملكون إلا تحقيق رغبات الهاشميين، وقد رأينا كيف بيعت مؤسساتنا الوطنية بالقطعة واحدة تلو الأخرى تحت مظلة الخصخصة، وقد أثبت الواقع أن الأثمان المقبوضة لجميع البيوع، والظروف التي صاحبتها، والمصير المجهول لهذه الأموال قد تعارضت مع روح وغاية الخصخصة، بل تؤكد هذه البيوع تورط النظام الهاشمي بالفساد ونهب ثروات الوطن.وكذلك فقد رأينا كيف إستغل النظام كل فرصة متاحة لتحصيل الأموال والمساعدات من الدول المانحة والدول الشقيقة، تارة بالتسوّل وأخرى تحت مظلة دعم اللاجىئين الفلسطينيين، وجميع الموجات العربية المتتابعة من اللاجئين العرب، الفارّين من آلة الحرب بالعراق وسوريا واليمن وليبيا، حتى تحوّل الاردن إلى مزيج ديموغرافي غير متجانس ٍ، أثّر سلباً على تركيبة النسيج الأردني الإجتماعي..

وفي النهاية فقد تمكّن الهاشميون من تسريب هذه الأموال إلى حساباتهم البنكية الخاصة بالخارج، وإستخدموها في بناء منشآت إقتصادية ضخمة بجميع أنحاء العالم…نعم لقد جرّد الهاشميين الوطن من جميع أسباب البقاء والإستبقاء بدون رحمة او إعتبار للشعب الذي فتح لهم البيوت ورفعهم وجعلهم ملوكاً! واقد تعثّر بطريقة لا يمكن معها لأي حكومة القيام بواجباتها دون اللجوء إلى التسوّل من الدول الغربية والدول الخليجية، او دون التغوّل على جيب المواطن، من خلال أسلوب الجباية وفرض الرسوم والضرائب والجمارك على جميع السلع حتى الأساسية والضرورية منها، ولنا بأسعار المحروقات والغاز خير شاهدٍ على ذلك. ونحن هنا لا نتكلم جزافاً، ولا نوجّه إتهامات باطلة دون أدلة، ولو كان عند النظام والدولة أدلة تثبت عكس ذلك، لما كان مصير أكثر من سبعون ملف فساد، صار محفوظاً في أدراج وخزائن دائرة النزاهة ومكافحة الفساد، لإصطدامها بالواقع المرير الذي يؤكّد تورّط الهاشميين بجميع قضايا الفساد، وبسبب عدم قدرة المواطن على المتابعة وفرض إرادته في دولة النظام السلطوي الهاشمي، المتخصص بتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، وقمع المواطن وتهميش دوره السياسي، وتشديد القبضة الأمنية عليه، لم يواجه الهاشميون ايّة صعوبة بإغلاق هذ الملفات، ولا زلنا نعيش حالة من الصمت العام وعدم تحمّل المسؤولية، من قبل المواطن والمؤسسات القانونية والنقابات حيال إتفاقية الغاز المبرمة بين الاردن وإسرائيل، والتي تؤكّد على ان النظام الحاكم هو الراعي الأساسي لها بإعتباره المستفيد الوحيد منها، لا سيما بوجود شركة أردنية وسيطة مسجلة بأعالي البحار Off Shore لتقوم بدور الجباية لحساب عبدالله الثاني، حيث تقوم بتحويل ما يقارب المليون وثلاثماية وخمسون الف دولار يومياً إلى حساباته البنكية المنتشرة حول العالم.

وضمن هذه المعطيات لا بد أن تتراجع شعبية الهاشميين، ويفقد المواطن الاردني الثقة بهذا النظام، وبالتالي ظهور أصوات مطالبة برحيل الهاشميين، لذلك فقد بات الوجود الهاشمي بالاردن مهدداً بالزوال بين عشية وضحاها لكونه صار عبئاً ثقيلاً على الوطن والمواطن، وقد كان ذلك مدعاة إلى تنمّر النظام على الشعب، من خلال تشديد القبضة الامنية لتعزيز وترسيخ جذوره، حتى لو كلف الامر حرق الشعب الاردني برمته.

واليوم يتعامل الاردن مع وباء الكورونا كغيره من الدول الأخرى مع التباين الواضح بالإجراءآت والتدابيرالمُتّبعة. ومن المؤسف أن نرى الدولة تحاول إستغلال هذا المرض لتحقيق مكاسب سياسية ومادية، وتسييس المسألة وحشد المجتمع الأردني وتوجيهه وتأطيره إعلامياً، من خلال جيش من الإعلاميين وأنصار النظام من السحيجة والمُستفيدين، للترويج والتمهيد لتفعيل قانون الدفاع والطوارئ، من خلال العزف على وتر عدم تجاوب المواطنين مع إجراءآت الوقاية التي تفرضها الحكومة لمواجهة وباء الكورونا.. فإذا كانت الدولة حريصة على سلامة وأمن المواطن الأردني بهذه الطريقة المبالغ فيها، لما كان هذا حال المواطن والوطن اليوم!! وأنا كأكاديمي وسياسي وبحكم التخصص، فأنا أعي ما أقوله، وأدرك ان الدولة التي تملك السلطة لتفعيل قانون الطوارئ، تملك السلطة لفرض إجراءآت ردعية بديلة، تتراوح بين فرض غرامات مالية وأحكاماً بالسجن الإداري ضد المخالفين، تماماً كما تفعل الدول المحترمة دون المساس بأبجديات الحرّيّات العامة والقوانين الأخرى، لا سيما وأننا لا زلنا نتعامل مع حالات محدودة من العدوى، وفي نطاق ضيق ولم نستنفذ الوسائل والسبل بعد.

أنا لا أثق بأي نظام سياسي عربي وعلى رأسهم النظام الهاشمي القابض، وكما يقول المثل: لا آمنه على عنز او شاة يسرح بها فكيف أئتمنهم على قانون دفاع، يعطّل جميع التشريعات والقوانين التي تخالف غاياته وتوجهاته! وكيف آمنهم على شعب قد عانى منهم على مدى عقود من حكمهم !.

لقد سقطت الأقنعة ولم يبقى لحسن الظن من وجود… فلماذا تقوم الدولة بالتلميح بإمكانية تفعيل قانون الدفاع في الوقت الذي لا تستدعي الضرورة ذلك؟! نحن لم نستنفذ السبل والوسائل بعد، ولم تتحوّل البلد إلى بؤرة موبوءة، ولا زلنا نتعامل مع عدد محدود من الحالات الغير مجزوم بأمرها طبّيّاً بأنها حالات كورونا.. كذلك لماذا تزعم الدولة بعدم تجاوب المواطنين لتعليمات وإجراءآت الوقاية في الوقت الذي يقول الواقع خلاف ذلك؟! ولماذا تستمر الدولة بإستباحة جيوب المواطنين في مثل هذه الظروف العصيبة عي جميع المقاييس، وتقوم بإستخدام فنادق اربعة وخمسة نجوم لإستخدامها كمرافق للحجر الصحي، في الوقت الذي تستخدم فيه الدول العظمى ومنها الولايات المتحدة، قواعدها العسكرية للقيام بهذه الدور، او ببناء وتركيب وحدات سكنية مصغّرة جاهزة ومعدة لمثل هذه الحالات، وبكلفة مالية متدنية وبوقت قياسي قصير؟!هل سيدفع عبدالله الثاني فاتورة سياساته التي جرّدت الحكومة من قدرتها على مقاومة وباء بسيط! لماذا تستجدي الدولة الشعب وتحُثهم على التبرع المالي في الوقت الذي تدرك فيه ان جيوب المواطنين فارغة تماماً !! لماذا لا يقوم الهاشميين بإعادة ولو جزء بسيط من الأموال التي نهبوها من الوطن؟! وأنا على يقين من أن هذا الجزء اليسير كفيل بتسديد ديون الاردن وحل مشاكله الإقتصادية.

إلى متى يتحمل المواطن مصروفات الدولة وبذخ النظام ونتائج سوء إدارته؟!

الكورونا أصغر همومنا! ومنظمة الصحة العالمية تؤكد ذلك، والحقيقة المجرّدة التي نعيشها الان ان 2% فقط ممن تنتقل لهم العدوى سوف لا يكتب لهم النجاة، ولن تكون وفاتهم كنتيجة مباشرة للكورونا، بقدر ما هي نتيجة لأسباب ومشكلات صحّيّة أخرى اضعفت أجهزتهم المناعية، لمقاومة الأمراض وبالتالي فقدوا القدرة على مواجهة اي مرض.

انا شخصياً وكثيرون مثلي من ابناء هذا الوطن سواءً من المعارضة بالداخل او بالخارج او حتى الغير مهتمين بالشأن السياسي، نقف وبقوة خلف الدولة في جهودها لمقاومة الكورونا، وغيرها من الأزمات على كافة المستويات، ولكن دون المساس بالمواطن وإنسانيته وكرامته وحقوقه المدنية، لإشباع رغبات ونزعات أصحاب السلطة عموماً والمتجسدة بشخص الملك. والمعارضة لا ترى أن تفعيل قانون الدفاع وربما الأحكام العرفية لاحقاً “دون الحاجة المُلحّة لذلك”، إلّا محاولة لتحجيم المعارضة والقضاء عليها مطلقاً،إلى جانب إطلاق يد الفاسدين لبيع ما تبقّى من الوطن كالبتراء واراضي المدينة الطبية والجامعة الاردنية والمواقع الحيوية. الوقت الان ليس بصالح احد، والعالم يواجه ما يكفيه من التحديات الإقتصادية والسياسية، والجميع معرّض لمواجهة حالة عامة من الركود الإقتصادي بسبب تداعيات وباء الكورونا، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والعالم، الى جانب التهديدات العسكرية بالمنطقة بما فيها تداعيات صفقة القرن. لن يكون هناك مكان آمن بجميع أنحاء العالم، وسوف يعاني الجميع، ومن باب أولى يجب ان تكون هذه الازمات والأوضاع ناقوس خطر يقرع ابواب الفاسدين، ويؤرق نومهم ويقضّ مضاجعهم، ويكون سبباً لتوبة النظام الهاشمي وإبراء ذمّته أمام الله والشعب الأردني الذي لم يبخل على الهاشميين بشئ. والأيام حبلى وسوف تلد لنا مسخاً جديداً يرتدي أسمال الموت وظلمة القبور وصمت الجبناء، وسوف تثبت الأسابيع القليلة القادمة حجم المعاناة القادمة إذا لم يتصالح الهاشميون مع الشعوب ويعيدوا السلطة لمكانها الطبيعي المتمثل بالشعب والامة.

اترك رداً