عقل الأزمة ووثنية الدولة – الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

عقل الأزمة ووثنية الدولة

د. عادل الكردي

أي حقيقةٍ واضحةٍ بهذا الوضوح التي نعيشها ؟ وأي صمتٍ جبانٍ سيطر على مظاهر الرجولة فينا ؟ أي وجه أو قناع سوف نتقمّص عندما نقف بين يدي الله ؟ أي فكر ٍ يُنجينا ويُلقي المسؤولية عن كواهلنا ؟! فإذا أصبح اليمين الأصولي واليسار الليبرالي وما بينهما واجهات تحكم بإسم الملك وللملك، فأي منطق يفوز؟ هل الخطاب الإسلامي الذي تم أسلمته سوف ينتصر ؟ أم هل لغة الليبرالية والعصرية.. أم لغة مراسيم وتوجيهات جلالة الملك ؟ أي هذه اللغات سوف تنقذكم ؟

ماذا نجيب نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عندما نسمعه يصرخ قائلاً : “سحقاً سحقاً” ؟! بأي وجهٍ ننظر إلى الرعيل الأول من الصحابة العظام الذين إختاروا الموت والعذاب والذل والهوان على مدى ثلاثة عشر عاماً، كان فيها ورق الشجر طعامهم لثلاثة أعوام لكي لا يقدموا تنازلاً واحداً في دينهم ؟! هم جاعوا لتشبع أجيال المستقبل من العرب.. جاعوا لوضع منهج وطريقة حياة تقضي على ثقافة مزاحمة الخالق على ربوبيته… نحن وللأسف جعنا وأكل كثيرون منّا من القمامة، لأن بطوننا كانت أقوى من عقولنا وإرادتنا وعقيدتنا..أموات تخشى أموات! نخشى بطش ملك ميت، وجلاد قد أوشك أن يفقد رقبته على مقصلتة لشدّة حبّهوولآءه للملك !.

لا زلت لا أتخيّل ما يمكننا قوله لجميع القادة العظام الذين حررونا من العبودية وأخرجوا أكبر القوى المحتلة من أراضينا من الصليبيين والمغول وغيرهم ..بأي لغة لوجستية سوف نبرّرلهم هزائمنا المتواصلة وخصوصاً تلك التي خرجت من رحم عروبتنا ؟!.

هل بمقدورنا إقناعهم أن وثنية الدولة قد تربعت فوق أصول الإسلام والأعراف،وكان تأثيرها علينا أقوى بكثير من رسالة السماء، وأن ملوكنا كانوا عندنا أكثر قداسة من الله، وأجّل وأرفع منزلة من نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ؟!

المشكلة لا تكمن في جوهرعقيدتنا وإنما في بُنية الهوية القوميّة المركبة عند الفرد العربي الذي تحوّل إلى حارس للملك وللعشيرة وليس الوطن، ألمشكلة لا تتعلق بمسألة الحوار والوعي بين الشعور واللاشعورضمن مساحة أل “أنا” و “نحن”.. بل في ضموربُنية التفكير الجماعي والعمل المشترك كمفهوم، وتلاشي وحدة الهدف والغاية والمصير المشترك، وغياب المسؤولية والشفافية والمحاسبة الذاتية والعامة وإنهيار منظومتي التشريع والقضاء.

لقد إنهارت عزائمنامنذ اللحظة التي قبل فيها الأردنيون غرباء يحكمونهم، نعم غرباء ومستوردون عبثوا بالتأريخ والأرض والهوية، جاؤوا بأكذوبة التحرير لكن إتضح لاحقاً أنها ثورة إستبدال سيدٍ بسيد آخر، وكانت لنا هذه الصفقة أخسر من صفقة أبي غبشان… بيع وشراء أبرمه غرباء فيما بينهم.. لماذا لم يتمكن الهاشميون من إقامة دولة هاشمية على الأراضي العراقية والسورية ونجحوا بإقامتها على الأراضي الأردنية؟ بماذا تميّزت  رؤية الأردني عن رؤية شقيقيه العراقي والسوري الرافضين للفكرة ؟ لماذا قبلنا كأردنيين ما رفضه غيرنا؟ لماذا قدّمنا العاطفة على العقل؟ وماذا كانت النتيجة وماذا كان الثمن الذي دفعناه ولا زلنا ندفعه لغاية يومنا هذا، نقصاً بالأموال والأنفس والحريات!!

من الواضح أن إشكالية العلاقة بين الأجيال الأردنية لم يحكمها حوار المنهج والعقل والمصلحة العامةللوطن والأردنيين منذ قيام مملكة الهاشميين على الأراضي الأردنية، بقدر ما حكمتها الخيانة ووجّهتها نزعات وميول البعض على البيع الوطن والتنازل عن الأصول والفروع، وقد رأينا ذلك بوضوح من خلال العبثبإنسانية وهوية الفرد الأردني ورزقه وإقصاؤه وتهميش دوره السياسي بمساعدةعدد من العوائل العربية الغريبة التي أستقدمت لتحقيق هذه الغاية، إلى جانب جيل من أبناء العشائرالأردنيّة الذين باعوا أنفسهم للهاشميين.. وهكذا ولدت أجيال بأقفاص العبودية، ورضعت الولاء للهاشميين في بيوت أهم شيوخ العشائر البدوية، التي أعلنت ولآئها المطلق للهاشميين، ولم تدرك أنها بفعلتها هذه كانت خنجراً غرس بخاصرة الوطن لتمزيق النسيج الإجتماعي الأردني تحت مظلة الولاء والإنتماء، الأمرالذي وقف عقبة في طريق نشر مفهوم الوعي الحزبي والتوعية السياسية، فبدل أن يتعلم الفرد أن الولاء للوطن لا لملك ولا عشيرة، أقنعوه بأن الملك هو الوطن ومستقبل هذا البلد!! وهذا يوضح لنا حجم الكارثة السياسية والحزبية التي لا زال يواجهها الأردن لغاية يومنا هذا، وقد ترجمها إلى واقع السياسة الممنهجة بتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وإقصاء المواطن والتمسّك بعملية التوريث السياسي لصالح فئة ثابته، ومنها النسخ المُكربنة من مجالس النواب المنتخبة طيلة تأريخ الحركة النيابية الأردنية، واليوم يعيش الأردن مرحلة تصفية حسابات وإعادة توزيع جديدة بين النظام الحاكم وأذرعه وأرجله، حيث تقرّر إخراج عاطف الطراونة وآخرين من الساحة السياسية في معترك الصراع الدائر بينهم وبين مجدي آلياسين شقيق الملكة.

نحن كشعب ندرك أن جميع هؤلاء لصوص فاسدين ولا توجد قواعد أخلاقية تضبطهم ، وكما قال المثل: “ما شفناهم وهم يسرقوا بس إكتشفناهم لما إختلفوا بالقسمة”.. والذي يدمي القلب أن نستمر في غيّينا وحماقاتنا، ونُصّر على أن نكون أخسر من أبي غبشان وأحمق من أبي غبشان وأندم من أبي غبشان، عندما نبقى جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل..فعلى الرغم من يقين الجميع بفساد عاطف الطراونة وضلوع عائلته بالفساد والتكسب، إلّا أن النعرة القبلية كان أقوى في عروق أبناء العشيرة التي قررت الإنتصار لإبنها الغير البار بدل أن تنحاز للوطن!! وعلى الرغم من معرفتنا بعدم فاعلية قيادة عاطف الطراونة لمجلس النواب وحجم الكارثة الوطنية التي حملتها قيادته للوطن ودوره المميز بتكريس السلطة بيد الملك، وقانون الجرائم الإلكترونية وتغطيته على إتفاقية الغاز مع إسرائيل،لا زالت العشيرة تسعى للمحافظة على رِجلها( بالكسرة) بالبرلمان، ولا زلنا نحن كشعب نتسابق على دعم إبن العشيرة على حساب الفكر الحزبي البرامجي ولا زلنا نعاني من متلازمة الولاء للملك والعشيرة ..

فهذا التحلّل الكبير الذي نعيشة من أللامسؤولية والرّدّة الوطنية بحق أردننا ومناهجنا الشرعية والتربوية والأخلاقية، جعل دولتناليست مقصرة بواجباتهافحسب، وإنما  راعية للفساد والظلم، كل ذلك يحدث لأن دولتنا أنثى لا رجال فيها وإنما أرجل وسيقان.

فإلى متى يستمر هذا الواقع الذي نعيشه، واقع يبعث على القنوط واليأس ؟وهل أصبح جل أهل الوطن مستضعفين لا يجرؤ أحدهم على أن تنبت شفتاه بكلمة أو إيحاءة خوف أن يُتهم بإطالة اللسان أوالعمل على تقويض النظام..المواطن أصبح مهزوماً من الداخل ومحطماً، أشبعته الدولة بشعارات الأمن والأمان وسلبت المخابرات منه الشعوربهما! إستعبدوا شعباً تحت شعار “الإنسان أغلى ما نملك” في الوقت الذي تنتهك فيه أبسط حقوق الحياة دون تفريق بين طفل وإمرأة وشيخاً طاعناً بالسن، جيش من الأردنيين المتقاعدين الذين خدموا وحموا سياج الوطن تحولوا إلى فقراء مُتسولين، لا تكفيهم رواتبهم شراء خبز، ومنهم من لجأ إلى حاويات القمامة بحثاً عن الطعام،  ومنهم من أعتقلوا وزجوا بالسجون وعُذّبوا ويعاملون معاملة لا تليق بإنسانيتهم ولا عمرهم ولا حالهم الصحي  لمجرد مطالبتهم بالإصلاح..لقد صدق الهاشميون زعمهم أن “الإنسان أغلى ما يملكون”، لأننا لا نتجاوز كوننا بضاعة او قطيعاً في مزرعتهم الكبيرة..

أين نحن من كل ما يجري من حولنا؟

متى نبلغ سن الفطام.. وندرك أن التغيير مرهون بأيدينا فقط لقوله تعالى:

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الرعد:11

 وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الأنفال53.

والشاهد هنا أن الفرد تبنى خياراته على العقل والإرادة والمشيئة ضمن منظومة واسعة من الضوابط والمحددات الشرعية الواضحة على شكل إفعل ولا تفعل، فإذا أدّى وآجباته تولّاه الله برعايته، وبما أن الملوك والحكام قد إعتبروا أنفسهم خارج الناموس العام ونظروا إلى الرعية كعبيد وخدم وجواري، فقد أصبح لزاماً علينا هزّ أركان عروشهموإسقاطها إذا رفضوا الإصلاح والتغيير، فهل رأينا ملكاً أو أميراً في هذا الزمان قد أعطى للوطن أو مات مدافعاً عن وطنه وشعبه؟! ما عرفناهم إلا فاسدين مبذرين يستنزفون أموالنا على نزواتهم وفسقهم وعهرهم ورفاهيتهم وتجارتهم ويأكلونها جهاراً وكأنها أموالهم الخاصة !  والملوك أينما كانوا لا يأمن جانبهم، فهملا يحفظون عهداً ولا وداً ولا صلة دم ولا رحم، ألم نرى كيف نكث عبدالله الصغير عهد أبيه فخلع أخيه ونصّب إبنه ولياً لعهده ؟

ألم نرى كم من الرؤوس سقططت خلال العقدين الآخرين ؟ كانوا جميعاً مقربين للملك وللملكة وكانوا أرجل دولة وشراشف سفرة، إلا أنهاأصبحت بآليةلا بد من تغييرها بأخرى جديدة!. نحن لا نقوم بالترويج لثورة دموية وإنما لثورة فكرية نهضوية توعوية، تقتل العبد والخوف القابع في قلب كل مواطن أردني..فلم يبقى للفرد ما يخسره بل أعطوا فرصة وحياة وكرامة وأملاً لأجيال سوف تأتي، لا تورثهم العبودية التي ورثناها بل مُدّوهم بأسباب الكرامة ، فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.. وإذا تمكن الشارع الأردني أن يقول كلمته هذه في موسم الإنتخابات القادم ويقول بأعلى صوته : لا إنتخابات بلا دستور جديد يعيد للشعب سلطته…لا ترشيح لفاسد حتى لو كان من ذوي القربى والعشيرة… ولا ولاء وإنتماء إلا لله والوطن والشعب.. فإذا فعلنا ذلك فهذه أولى الخطوات الجادة للتغيير وإن لم نفعل فلا نلومن إلا إنفسنا والتاريخ لا يرحم المقصرين والمتخاذلين كما لا يرحم الخونة المتآمرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *