انقلاب القصر Vol. 2 – الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

انقلاب القصر Vol. 2

ياسر المعادات

بعد أقل من ستة أشهرٍ على تشكيل أول حكومةٍ ديموقراطيةٍ في الأردن، بزعامة قائد الحزب الوطني الاشتراكي سليمان النابلسي، يدبر القصر إنقلابُا على الخيار الديموقراطي للشعب الأردني، يطيح من خلاله بحكومة النابلسي التقدميّة، ويأتي بسلسلةٍ من الحكومات الرجعية المعينة المتتالية، والتي ما نزال نعاني آثار النهج السياسي والاقتصادي الذي تتّبعه حتى اليوم!

بحججٍ واهيةٍ تمّ تبرير الانقلاب، وتطويق الحياة السياسية والعمل العام في البلاد عبر عقودٍ من الأحكام العرفية، فمن عملية هاشم التي قام بها نذير رشيد أحد الضباط الأحرار وقتذاك -ورجل النظام الوفي بعد ذلك- دون ابلاغ القصر أو الحكومة عنها، إلى معاداة حكومة الوطنيين الاشتراكيين لنهج القصر الساعي لإلحاق الأردن بالأحلاف الإمبريالية، إلى غيرها من الأعذار الواهية. هذا الإنقلاب جمّد الحياة السياسية في البلاد وكبّدنا خسائر جمة، عبر احتكار السلطة من قبل النخبة الحاكمة التابعة للقصر، حتى وصلنا إلى الإنفجار الاجتماعي الأهم في تاريخ البلاد، في هبة نيسان التي أجبرت القصر وأعوانه على العودة إلى الديموقراطية، وإن كانت عودةً لطالما تحكّم القصر بخيوطها.

الانقلاب من جديد
بعد إضرابٍ تاريخيٍ نفّذته نقابة المعلمين، أثمر عن توقيع اتفاقيةٍ مع حكومة الليبرالي المتطرّف عمر الرزاز، وأثارت امتعاض القصر بشكلٍ أوضحه ردود الأفعال الصادرة عنه تجاه الإضراب، بعد كل هذا يعود القصر ليقوم بإنقلابٍ آخر على المنجز الديموقراطي المتمثّل بنقابة المعلمين، التي تمّ انتزاعها عقب انطلاق الحراك الأردني -رغم أنّ حراكها سابقٌ عليه- ليتمّ اليوم الإنقلاب على مخرجات دورة انتخاباتها “أي النقابة” الأخيرة، في إطار حربٍ يقوم بها التيار الليبرالي الفاشي الذي يتزعمه الرزاز على المؤسسات الوطنية والسواد المفقر من الشعب سويةً، وتقوم حكومته المتطرّفة بكل العمل القذر نيابةً عن هذا التيار الفاشي.

اعتقال كل أعضاء مجلس النقابة بطرقٍ مهينةٍ مذلة، وإغلاق فروع النقابة، وتجاوز دور القضاء، وتجييش المرتزقة والخونة للنيل من نقابة الشعب الأردني -المدافعة عن فقراءه ومركز القيادة لقطاعه العام المنتفض ضد المؤسسات المستقلة “تكايا النخبة الحاكمة” وضد نهج خصخصة التعليم- زربما أكثر من ذلك لاحقًا، لا تعبر إلا عن نهجٍ انقلابيٍ واضحٍ، تجاه كلّ من يمثّل طموح الشعب وإرادته، لإبقاء سيطرة القصر وهيمنة النخبة الحاكمة على كل مقاليد الأمور، خصوصًا في ظلّ محاولات الرزاز للقضاء على منافسي التيار الليبرالي المتطرّف في داخل النخبة الحاكمة نفسها.


يتّضح اليوم لنا جميعًا أنّ جائحة كورونا قد أتت كهديةٍ من السماء للنهج النيوليبرالي، أحسنت حكومة الرزاز استغلالها، لتمرير كل ما يريده التيار الليبرالي المتطرّف، فبالرغم من كون الحدث اليوم هو حل مجلس نقابة المعلمين وإعتقال أعضاءه، بالإضافة إلى إغلاق فروع النقابة، فإنّ ما سبق هذه الاجراءات الفاشية قد أتى كتمهيدٍ للحظة وقوع الإنقلاب الفاشي، بدءًا من الاقتطاع من الرواتب لفائدة رأس المال والمستثمرين والبنوك في القطاع الخاص، وإلغاء علاوات موظفي القطاع العام، وصولًا لحل مجلس نقابة الأطباء ووضع يد وزير التنشيف عليها، ناهيك عن حل مجلس طلبة الجامعة الأردنية، وشن حملة اعتقالاتٍ للعديد من المناضلين الوطنيين، كلّ هذا يروج له في سياق الوقوف مع الوطن في المحنة، مع السعي الحثيث لإخفاء كل ما يدل على تورط الليبراليين في التسبّب بوقوع الوطن في المحنة في الأساس.

اليوم نحن كوطنيين وكقوى سياسيةٍ ونقابيةٍ واجتماعيةٍ حيةٍ، أمام موقفٍ تاريخيٍ حاسمٍ، لا يسمح إلا بالاصطفاف مع الشرعية الديموقراطية والوطنية التي تمثّلها النقابة بمجلسها وأعضاء فروعها المنتخبين، في مقابل مشروع تحولٍ ليبراليٍ ينزع بكل وضوحٍ نحو استخدام الفاشية لسحق كلّ وطنيٍ منافحٍ عن الشعب المفقر، وإلا فلنجهّز أنفسنا لعقودٍ من الظلام تحطّمنا وتعيق تقدم وطننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *