المُعلّم ومهنة التعليم: صراع بين المقاصد والمصالح – الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

المُعلّم ومهنة التعليم: صراع بين المقاصد والمصالح

د. عادل الكردي

شوقي يقول وما درى بمصيبتي            قم للمعلم وفّه التبجيلا …..

عندما عارض الشاعر المُعلّم إبراهيم طوقان أمير الشعراء أحمد شوقي قبل سبعة عقودٍ من الزمان، كان قد شعر بمرارة معاناة المُعلّم في زمنه، كما كان إستشرافاً لمستقبل مجهولٍ للأجيال القادمة من المُعلّمين.. آخذين بعين الإعتبار أن ما إستشرفه الشاعر المُعلّم طوقان من تردّي أحوال المُعلّم والمستقبل المظلم الذي ينتظر المعلم، على الرغم من أن المُعلّم آنذاك كان يعيش عصره الذهبي وكان يتمتع بمنزلة إجتماعية رفيعة، وقد كانت مهنة التدريس في مقدمة خيارات الخريجين من المرحلة الثانوية، وكانت حلماً لمعظم الفتيات لأسباب تتعلق بثقافة المجتمع الذي كان ينظر إلى مهنة التعليم كخيارٍ وحيدٍ للفتاة، بسبب قيود المجتمع الذكوري المهيمن الذي تحكم بكل صغيرة وكبيرة تتعلق بالإناث.

وكذلك فقد كانت العشيرة تفاخر بوجود معلمين من بين أبنائها، وكان الأب يمشي الخُيلاء إذا ما كان عنده إبناً مُعلماً ! وكان المُعلّم يتخيّر النسب ويُعطى لعلمه ومكانته العلمية والإجتماعية المهيبة والرفيعة آنذاك.. وكانت الفتاة تَزهو وترفع رأسها عالياً بين قريناتها شاكرة الله على ما أعطاها من حسن حظٍ.. وكان المُعلّم يُعَدُّ من وجهاء قومه، وكان مستشاراً ومسموع الرأي على الرغم من صغر سنّه بالمقارنة مع وجهاء عشيرته، وكان للمُعلّم هيبةً ووقاراً لا يعلمها إلا من عاش  ذلك الزمن الجميل، ولا زلت أذكر عندما كنت فتىً صغيراً يافعاًكم كنا نخشى المعلم أكثر من خشيتنا لآبآئنا وكبار الحي، وكم كنا نتورّع ونحرص على أن لا يشاهدنا المُعلّم نلعب في شوارع الحي وأزقّته خوفاً من العقاب باليوم التالي، وذلك يُشعرنا بحجم الدور التربوي الذي يقوم فيه المُعلّم والمساند لدور الأسرة ! وربما نحن اليوم بأمس الحاجةإلى هذا الدور الذي تلاشى تدريجياً، بسبب تبنّيقيماً غربية تحت مظلة الحداثة وحقوق الطفل، الأمر الذي إنعكس سلباً على قضايا وجوانب إجتماعية كثيرة نعاني من آثارها الأن.

لقد كان ولا زال المُعلّم يصل الليل بالنهار ويستيقظ باكراً ليتمكن من أدآء رسالته التعليمية  النبيلة، إلى جانب رسالته التربوية التي لازال لها تأثيراً نسبياً وإن كان محدوداً كما أسلفت،وذلك بسبب فقدان المُعلّم لسلطته وهيبته خصوصاً خارج حدود الصف والمدرسة. وإنّي لأتسآءل اليوم ماذا ستكون رَدّة فعل شوقي وطوقان والعقاد، لو قاموا من مراقدهم وشاهدوا بأم أعينهم الحالة المُزرية التي وصل اليها المُعلّم اليوم، وحجم مُعاناته المعيشية والإجتماعية، وحالة القهر والفقر التي أصبحت تلازمه! وكيف أصبحت مهنة التعليم تقع في أسفل قائمة خيارات خريجي الجامعة؟!. عندها سوف يَنظم شوقي وطوقان المراثي حسرة على المُعلّم، الذي كاد أن يكون رسولا على حد وصف أمير الشعراء، ثم أصبح اليوم بين البنوك قتيلا على يد الفاسدين في هذه الدولة.

فمن هو المسؤول عن تَردّي حال المُعلّم ومهنة التدريس المُقدسة؟ بالطبع ليس أنا ولا أنت ولا المُجتمع من يتحمّل هذه المسؤولية، وإنما الدولة بصفتها الرعوية بإعتبارها الوظيفي كقائم على مصلحة الشعب وإدارة شؤونه، والحارس الأمين على قيمنا الدينية والأخلاقية، وعلى ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا وأمننا وحدودنا. فمنذ اللحظة التي قررت فيها الدولة تهميش دور المُعلّم التربوي، كرديفٍ ومساندٍ لدور الأسرة في تهذيب الأبناء وتأصيل القيم الدينية والأخلاقية فيهم، سقط رُكنٌ منيعٌ من أركان الدولة، وسقطت أجيال كثيرة وبالتالي سقط المجتمع.

والذي زاد من الأمر سوءاً وتعقيداً، خصخصة قطاع التعليم والتي أضرّت بمنظومة التعليم كاملة، وأنعكست سلباً على المُعلّم والطالب والأسرة وبالتالي على المجتمع، من خلال خلق فجوة طبقية في المستوى المعيشي بين المعلمين، فالمُعلّم الذي يعمل في المدارس الخاصة يحصل على رواتب أعلى من رواتب زملاءه المُعلّمين العاملين في القطاع العام، الأمر الذي أضطرّ معلّمي القطاع الخاص البحث عن البدائل، ومن هنا ظهر سوق الدروس الخصوصيّة خارج حدود غرفة الصف التقليدية، الأمر الذي إنحدر بالمستوى الأكاديمي للطالب بسبب تقصير المُعلّم الذي أصبح يُعطي حصصاً خصوصية أضعاف ما يعطيه من الحصص بالمدرسة الحكومية، الأمر الذي أثّر سلباً على أدآء المُعلّم بالصف بسبب الإرهاق من جهة، وبسبب تبدّل  أولويات المُعلّم التي إتجهت إلى القيمة المادّية على حساب القيمة المعنوية لأسباب معيشيّة صرفة من جهة أخرى.

ومن جانب آخر فقد دخل القطاع الخاص في حالة منافسة تجارية لتحقيق أرباحٍ أكثر من خلال الإهتمام بالشكليات والمظاهر، وإدخال طرق التعليم الغربية الحديثة، الأمر الذي زاد من  حجم الفجوة في مستوى التحصيل العلمي للطلاب، ومستوى أداء المُعلّم  لصالح القطاع الخاص، فتحوّلت أنظار عدد كبير من العائلات إلى المدارس الخاصة، الأمر الذي تسبب بزيادة معاناة الأسرة من الناحية المالية، حيث وجد أولياء أمور الطلاب أنفسهم في موقفٍ لا يملكون فيه إلا خياراً واحداً،  أدّى إلى إستنزاف موارد الأسرة المالية لدفع تكاليف تعليم أبنائهم في الوقت الذي كان شبه مجانياً بالسابق في الزمن الجميل. ومن ناحية أخرى فقد تنبّه  بعض المتنفّذين بالدولة إلى قطاع التعليم الخاص وإمكانية تحقيق ثروات طائلة من وراءه، فإقتحمت الملكة رانيا هذا القطاع من أوسع ابوابه، مستفيدة من تردّي حال القطاع ا لحكومي للتعليم،وإرتفاع المنافسة التجارية بالقطاع التعليمي الخاص، بسبب ظروفٍ ربما تُعزى لسوء تخطيط وإدارة الدولة، وربما لمخطط مدروس بعناية فائقةٍ للوصول إلى هذه النتيجة. فظهر سوق الأكاديميات التعليمية ذات المستوى الخَدمي والتعليمي العالي،والمملوكة للملك عبدالله الثاني وزوجته وأثرياء آخرون، وقد إستهدفتهذه الأكاديميات أبناء الطبقة المخملية، ثم تمكنت الملكة رانيا تحت مظلة الريادة وتطوير قطاع التعليم، من وضع يدها على غالبية المساعدات الأجنبية وتحديداً المساعدات الأمريكية التي بلغت 250 مليون دولار.

ولإحكام قبضتها على هذا القطاع، فقد تغوّلت الملكة رانيا على وزارة التربية والتعليم وسيطرت على قراراتها  سيطرة مطلقة، ثم قامت بتأسيس أكاديمية الملكة رانيا عام 2009 م كمؤسسة مستقلةَ غير ربحية، بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم للارتقاء بنوعية التعليم، وتطوير برامج التنمية المهنية للمعلمين والعاملين في قطاع التربية والتعليم، من خلال رفل المعلّمين بالمهارات الحديثة قبل البدء بعملهم كمعلمين، إلى جانب إعادة تدريب المعلمين القدامى ورفع مستواهم ليضاهي أساليب التعليم الحديثة.

نحن لسنا ضد الأكاديميات من حيث المبدأ وخصوصاً أكاديمية الملكة رانيا، فالتطور  والتحديث مطلوب في جميع القطاعات، للتمكّن من الحاق بركب التطور  التكنولوجي وخصوصاً قطاع التعليم. ولو كانت غاية الملكة  رانيا نبيلة لكُنّا لها من الشاكرين ولرفعنا لها قُبعاتنا، إلا  أن الأدلة والشواهد كشفت لنا حجم تغوّل اصحاب النفوذ على الوطن ومؤسساته لتحقيق أرباح خيالية على حساب الوطن والمُعلّم، وسرقة مقدرات الشعب تحت شعارات نبيلة. 

وقد عانى المُعلّم كثيراً على مدى عشر سنوات من محاولات الملكة رانيا المستمرة لإستغلاله  وإجباره على الإلتحاق بأكاديمتها،  والحصول على درجة الدبلوم مقابل رسوم تتقاضاها الأكاديمية قدرها ثلاثة ألاف دينار أردني، علماً بأن الأكاديمية مُسجلة كمؤسسة غير ربحية، إلى جانب حصولها على معظم المساعدات الأجنبية لقطاع تطوير التعليم بإعتبارها تكاليف إعداد وتدريب للمعلمين، ناهيكم عن موقع الأكاديمية المُميز عل أرض الجامعة الأردنية الذي أُجّر للأكاديمية مقابل دينار ٍ واحدٍ سنوياً لمدة خمسة وعشرون عاماً قابلة للتجديد، علماً أن قيمة الأرض الفعلية تبلغ عشرات الملايين، وبذلك تكون الملكة  قد حصلت على أعلى درجات الربحية والمفاضلة بحكم موقعها كملكة وتحت غطاء قانوني سُمي ” بمؤسسة غير ربحيّة؟!.

ومع تصلب موقف المُعلّمين ورفضهم الرضوخ لمحاولات الأكاديمية المستمرة لإبتزاز هم، لجأت الملكة العنيدة إلى أساليب قسريّة لكسر إرادة المُعلّمين، فتمكّنت من إبرام عدّة إتفاقيات تعليمية مع دول الخليج العربي، يتم بمقتضاها  رفض التعاقد مع المعلمين الأردنيين غير الحاصلين على درجة الدبلوم من أكاديمة الملكة رانيا. ومع إحتدام الصراع بين الملكة التي أحكمت قبضتها على الموسسة التعليمية الأردنية، فقد وجد المُعلّمون أنفسهم بين مطرقة الملكة وسندان وزارتهم، فلم يبقى أمامهم إلّا مواجهة تغوّل الملكة عليهم من جهة، والتشدّد مع وزارة التربية والتعليم التي أصرّت وبلا أسباب مُقنعة وعلى مدى سنوات طويلة، على رفض مطالبهم كوسيلة ضغط عليهملإخضاعهم للملكة من جهة ثانية . لذلك قرر المُعلمّين وضع حدٍلسياسة التسويف والمماطلة التي إنتهجتها الوزارة، فأعلنوا الإضراب العام عام 2019م  لحين الإستجابة لمطالبهم الشرعية، وعلى رأسها مسألة العلاوات وتثبيت المعلّمين المُعيّنين بعقود مؤقتة. وبعد مضي شهر من الإضراب وبمساعدة الشعب الذي تبنّى قضية المُعلّم، أُبرم إتفاق بين وزارة التربية والتعليم والمُعلّمين وصل فيه الجانبان إلى صيغة توفيقية مُرضية للطرفين، كما وتمكن المُعلّمين بمساندة المعارضة الخارجية من الكشف عن تورط الملكة رانيا بمسألة المساعدات الأجنبية وتغوّلها على وزارة التربية والتعليم وعلى المُعلّمين دون وجه حق.

 أما فيما يتعلق بمسألة صندوق المعلمين الذي تُديره  وزارة التربية والتعليم الأردنية، والذي تمَّ  السطو عليه أكثر من مرة، وسُرق منه  مئات الملايين من الدنانير من أموال المعلمين بطريقة مُمنهجةٍ، ولم يتم الكشف عن هوية الفاسدين على الرغم من تحويل هذا الملف إلى هيئة مكافحة الفساد، التي قامت بدورها  كالعادة، وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وبتوجيهات من الملك عبدالله الثاني  والملكة رانيا، بإتلاف الأدلة المادّيّة وبالتالي إجهاض وتضليل العدالة،للتغطية على الجهة التي إستولت على أموال الصندوق، ثم أُغلق الملف بحُجة عدم توفر الأدلة اللآزمة لتجريم جهة معيّنة!.

وبعد عام من التسويف من قِبل وزارة التربية والتعليم فيما يتعلّق بتنفيذ الإتفاق المُبرم بين الوزارة والمعلمين بالعام الماضي، فقد أخذت العلاقات بين نقابة المُعلمين ووزارة التربية بالتراجع، وأصبحت المواجهة بينهم مسألة وقت فقط. وفي حركة غير مسبوقة من الدولة وبتوجيه من القصر ، قام المدعي العام حسن العبدللات بإصدار أوآمر بإغلاق نقابة المعلمين وجميع فروعها لمدة عامين، وإعتقال مجالسها الإدارية، وتفويض وزارة التربية والتعليم  لتشكيل مجلساً جديداً بإدارة الوزارة بالوكالة، كما وحذّر المُدعي العام الشعب الأردني تحت طائلة العقوبة، من التطرق إلى قضية نقابة المُعلّمين بالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة وعلى جميع مواقع التواصل، ليس لإجهاض العدالة والديمقراطية فحسب، وإنّما لإغلاق هذا الملف وحسمه لصالح الملكة رانيا تحديداً.

هذا ملخصٌ شافٍ عن المُعلّم ومهنة التعليم وعلاقتها بالمجتمع، ومراحل تطورها وبؤسها إلى يومنا هذا، حيث يقف المعلم والشعب في خندقٍ واحدٍ لمواجهة دولة تُصر على إسقاط المُعلّم الرمز  وعنوان كرامة الشعب والأمّة!. فمن هو المسؤول عن خصخصة قطاع التعليم وتعويمه ليتحوّل من منارة للعلم ومهنة ورسالة نبيلة، إلى سوقٍ تجارية تُدرُ أرباحاً خيالية على فئة محدودة تتصدرها الملكة رانيا ممثلة بأكاديمياتها ومدارسها ومشاريعها الريادية الوهمية! ومن هو المسؤول عن إنحدار  مستوى التعليم في القطاع العام، الذي أثّر مباشرة على المستوى الأكاديمي للطلاب الخريجيين، الذين أُجزم بشبه أمّيّة معظمهم التي لا تخفى على أحد،وقد بانت سوءتهمبالصنعة اللغويّة التي هي جزءٌ من موروثنا الثقافي والإجتماعي وليس التعليم وحسب؟! للأسف الشديد نرى الدولة اليوم تتعامل مع قطاع التعليم والمُعلّم من منطلق الربحيّة، غير آبهةٍ بنوعية التعليم وقُدسيته كرسالة وبعثة ومهمة خص الله تعالى بها الأمّة وخاطبها من خلال رسول وحيه جبريل عليه السلام لنبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله ـ (     اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْلقلم 1-5.

فهل شعارات الريادة التي أطلقتها الملكة رانيا من خلال أكاديمياتها كانت خالصة لمصلحة الشعب وتطوير التعليم، والإرتقاء بمستوى التعليم الأردني كضرورة قُصوى لمواكبة العصرية والتقدم التكنولوجي،أم هي مُجرّد وسائل وآليات لتنفيذ صفقة تجارية رابحة يقطف ثمارها  سيدة الأعمال الملكة العنيدة رانيا الياسين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *