العرب والمسلمون: إنفصام عَقَدي وإزدواجيّة معاييروكيل بمكيالين! – الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

العرب والمسلمون: إنفصام عَقَدي وإزدواجيّة معاييروكيل بمكيالين!

د.عادل الكري

وقف العالمين العربي والإسلامي على قدم ٍ وساق ٍ غضباً ونصرة للرسول الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم، ردّاً على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خلفيّة الرسومات الكاريكاتيريّة التي إستهدفت شخص رسولنا الكريم. وقد تباينت المواقف الرسمية والشعبية حول هذه المسألة، بين شجب ٍ وإستنكارٍ ومقاطعة للمنتوجات الفرنسيّة، وبين ردود فعلٍ أكثر حدّة وعاطفيّة، تمثّلت بمواجهاتٍ مع رجال الأمن الفرنسي، أو بالتجمهر أمام السفارات الفرنسيّة، وربما رشقها بالحجارة، هذا على المستوى الشعبي…أمّا على المستوى الرسمي للدول والمنظّمات الإقليميّة كجامعة الدول العربيّة ومنظّمة دول العالم الإسلامي، فقد كانت ردودهم متواضعة وعلى إستحياء وبأدنى مستوياته الرسميّة، بإستثناء الموقف الرسمي للدولة التركيّة، الذي أثار حفيظة باريس مما إضطرها لإستدعاء سفيرها من أنقرة، في الوقت الذي إلتزم فيه جميع الحُكّام العرب الصمت، بل على العكس، لم يتوانى بعض حكام الخليج وعلى رأسهم السعوديّة والإمارات العربية،من إعلان دعمهم السياسي والإقتصادي الكامل لفرنسا،لمساعدتها تجاوز آثار حملة المقاطعة الإقتصاديّة،التي أعلنتها الشعوب العربية والقوى الشعبية!

حقيقة فقد شغلت مسألة الرسوم الكاريكاتيريّة المُسيئة لرسولنا الكريم، دولاً وشعوباً على مدى الخمسة عشرعاماً الماضية، دخل فيها الجميع في حالة من الجدل بين معارض ٍ رافض ٍ لهذه الممارسات جملة وتفصيلاً،  وبين محايدٍ بحُجّة حُرّيّة التعبير عن الرأي. لكن الجانب الأهم بالموضوع يتمحورحول حالة “الإنفصام المُركّبة” التي طغت على السواد الأعظم، من الجماهير الإسلاميّة والعربيّة والشعوب الأخرى وحكوماتها، والمُتعلّق بالمفهوم العاملحُرّيّة الرأي والتعبير، ومساحة وحدود هذه الحُرّيّات وضوابطها، لمنع المساس بحُرّيّات الآخرين خُصوصاً المعتقدات والرموز الدينيّة، إنطلاقاً من مبدأ ” تنتهي حُرّيّتك عندما تبدأ حُرّيّة الآخرين”، وبينمسألة إيقاع الضرر المادي والمعنوي على الأفراد والجماعات بالمجتمعات الإسلاميّة جهاراً، بمصادرة حق حُرّيّة الإعتقاد والإيمان، دون أن يُحرّك المجتمع الدولي ساكناً، بما فيهمالمسلمون والعرب لوقف هذه التجاوزات والإنتهاكات، وخصوصاً فيما يتعلّق بمسألة حُرّيّة الإعتقاد وممارسة الشعائر دون قيودٍ أو ضوابط، كما هو حاصل مع الشعبين المُسلِمَين الأيغور التركي بالصين، والروهينغا في بورما.

ولو عُدنا إلى الماضي منذ بزوغ فجر الإسلام، لوجدنا أن علاقة العرب المسلمين بالشعوب الأخرى، قد حكمتها القوة وليس الحب والتسامح،أوإحترام الحقوق وحُسن الجوار.  وقد رأينا ثمانية جيوش ٍ إسلامية في تأريخ الإسلام، خاضت حروباً ضارية وفتحت أقاليم وبلدان جديدة، على خلفيّة إعتداءاتٍ وقعت على نساء مسلمات، قد بلغت إستغاثاتهن  مسامع القادة المسلمين العرب آنذاك، كالحجاج والمعتصم. فإحترام المواثيق والإلتزام بالعهود من قبل الشعوب الأخرى، كان هو الفيصل والحد الذي يمنع المسلمين من قتال الآخرين، ويحافظ على حالتي الّلاحرب والّلاسلم مع الشعوب الأخرى، فكانت قوة الدولة الإسلاميّة تُشكّل عامل ردعٍ للقوى الأخرى.

فمنذ القرن السابع الميلادي، حدّدت الإمبراطوريّة الرومانيّة البيزنطيّة موقفها المعادي، والمعلن بكل صراحة ووضوح من الإسلام والمسلمين، والذي ترتّب عليه خوض عشرات الحروب والمعارك بين العرب والأوروبيين، على مدى ثلاثة عشر قرناً كان أشدّها ضراوة على الإطلاق، سلسلة الحروب الصليبيّة، التي أعلنها البابا اوربان الثاني قبيل نهاية العام 1095م بقليل، وموّلتها الشعوب الأوروبّيّة، بُغية إعادة فرض سيادتها على بيت المقدس وبلاد الشام، وقد إستمرّت هذه الحروب قرابة القرنين من الزمان، أرسل خلالها الأوروبيين ثماني حملات عسكريّة، إلى أن وضع لها حدّاً، القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي تمكّن من تحرير بيت المقدس، وطرد الصليبيين الأوروبيين من كافة الأرضي العربية عام 1291م، مما إضطرهم للتراجع إلى تخوم القارة الأوروبيّة المجاورة لآسيا الصغرى (تركيّا)،وحسر الإمبراطوريّة البيزنطيّة بالقسطنطينيّة، التي بدأ فيها الأوروبيون مرحلة جديدة من مراحل صراعهم، مع السُّكّان المحلّيين من السلاجقة والقبائل التركية المسلمة، دامت 162عاماً من الكر والفر، إلى أن تمكّن السلطان العثماني محمد الفاتح من فتح القسطنطينيّة عام 1453م، وجعلها عاصمة للإمبراطوريّة العثمانيّة،مُعلناً بذلك سقوط الإمبراطوريّة البيزنطيّة، وإنتهاء الوجود الأوروبي كقوة عسكريّة بالمشرق العربي وآسيا الصُغرى، ومعلناً بدء حقبة جديدة للخلافة الإسلامية العثمانيّة، كإمبراطوريّة وقّوّة عظمى،بسطت سيادتها على المشرق العربي، والشمال الإفريقي وآسيا الوسطى، وعلى أجزاء من الجانب الشرقي للقارة الأوروبية، كما كانت بداية لحقبة أوروبية جديدة، قادت إلى سقوط غرناطة دولة المسلمين بالأندلس عام 1492م، ثم بدء حركة الإكتشافات والرحلات البحرية، وغرق القارة الأوروبيّة في مستنقع الحروب الدينيّة، التي إستمرّت قرابة ال150 عاماً،لغاية العام 1648م بالتحديد،  مما أتاح للإمبراطوريّة العثمانيّة فرصة لتعزيز قوتها، وبسط سيادتها ونفوذها على مساحات شاسعة في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط، لم تتمكن خلالها أي دولة أو قوّة أوروبّيّة، من الحصول على موضع قدم لها،بأراضي الإمبراطورية العثمانيّة إلا عام 1920م،بعد أن فرضت بريطانيا وفرنسا إنتدابهما على بلاد الشام، بسبب تواطؤ آل سعود والهاشميين مع بريطانيا، من خلال فتح جبهة داخليّة على الإمبراطوريّة العثمانية في عمق أراضيها، أثناء إنشغالها بالحرب العالميّة الأولى،حيث أعلن الحسين بن علي شريف مكّة،الثورة العربية الكبرى على الدولة التركيّة عام 1916م، التيساعدت على إنتصار جيوش الحُلفاء، وسقوط الخلافة الإسلاميّة، بعد قرابة خمسة قرون من سيادة الإسلام، وحماية الإقليم من الإستعمار الأجنبي والأوروبي بالتحديد.

إن مسألة الإساءات المُتكرّرة للرسول الكريم، ومحاولات تشويه الإسلام وتقويضه، إلى جانب التأريخ الطويل من الحروب والإعتداءات والمجازر ، التي إستهدفت وجود المسلمين كأمّة، ليست ظاهرة جديدة، وإنّما إحياءً وإمتداداً لبغض وكراهيّة دفينة ومُتأصّلة، في ذاكرة العالم المسيحي، تجاه المسلمين والعرب، وإصراراً من الدول الأوروبيّة لفرض هيمنتها على المشرق العربي، ولم تتمكن بريطانيا من تحقيق أهدافها وفرض إرادتها بلغة القوة، وليس نتيجة لضعف الدولة العثمانية كما روّج الأوروبيون لها، وإنما بالغدر  وخيانة وتواطؤ عدّة قوى وعائلات عربية حاكمة، التي لعبت الدور الأهم وفتحت البوابة الخلفيّة لدخول الإستعمار  إلى المنطقة من جديد!

وقد تمكّنت بريطانيا وشريكتها فرنسا، من تقطيع المنطقة كاملة حسب ترتيبات سايكس بيكو ،وحدّدت مستقبل المنطقة والدور الوظيفي لكل دولة، من خلال عددٍ من العائلات العربية التي تداولت السلطة خلالها، لتحقيق مصالح الإستعمار البريطاني – الفرنسي، فكان ولاء هؤلاء لأسيادهم الغربيين، أكبر  بكثير من ولائهم لدينهم وقوميتهم وأرضهم! وقد إستمر إستنزاف طاقات ومقدرات الوطن العربي، إلى جانب كرامة وحرّية ورفاهة أبناؤه على مدى قرن من الزمان، حتى تجاوز الأمر إلى تدمير المعتقد والعبث بإيمان العرب! وعملية تهويد الوطن العربي الجارية الأن بتعاون حكام العرب، شاهد على حجم المؤامرة، والدور الذي لعبه الحُكّام العرب في إنجاح المخططات الغربية، لوضع اللمسات الأخيرة لدولة إسرائيل الكبرى.

وتبقى أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات: ماذا بقي للعرب أن يخسروه أو يتنازلوا عنه أكثر  مما خسروا وتنازلوا عنه؟ إلى متى يتمسّك العربي بعبوديّته وولاءه لحاكم باع نفسه للشيطان، قبل أن يبيع دينه وعروبته ووطنه؟ إلى متى نُقدّم طاعة ولي الأمر على طاعة صاحب الأمر؟هل سياسة الفعل وردّة الفعل، من شعوب مُنقادة تعبُد قادتها، كفيلة بالرد على إساءات الغرب والدول العظمى، كالصين والهند، للدين والنبي الكريم وللشعوب العربيّة؟ لماذا نضحك على أنفسنا ونقنعها بأن واشنطن، ولندن وباريس وتل أبيب هي مشكلتنا الحقيقيّة؟ مشكلتنا الحقيقية تكمن بضعف إرادتنا وإنصياعنا لحُكّامنا… مشكلتنا الحقيقيّة ترقد في رغدان وبسمان والدرعيّة، وفي جميع عواصمنا السياسية العربيّة… فإذا تمكّنا من تحطيم قيودنا، ووضع حدٍ لضعف إرادتنا، عندها سوف تزول جميع مشاكلنا، في اللحظة التي تتحد فيها الشعوب العربية من جديد، وتمسك بزمام أمورها كما كان سابق عهدها…نحن يقع على كاهلنا الوقوف بوجه الظلم والفساد، فإذا أقمنا أمر الله في نفوسنا وبيوتنا وأعمالنا وفيما نملك، سوف يكفينا الله شرَّ ما لا نملك! نهتم بمسؤولياتنا وواجباتنا المنوطة بنا كأفراد وأمة وشعوب، عندها لن يأتي أبرهة لهدم البيت الحرام، لأن للبيت رب يحميه ورجال تذبّ عنه…ولن يتمكن الإنس والجن ولو إجتمعت، من طمس القرآن الكريم بمجرد حرقه، لأن الله تعالى تعهّد بحفظه:( إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون)، وحفظه المسلمون في قلوبهم، ولن يتمكنوا من المساس بكرامة النبي الحبيب محمداً، لأن الله تعالى وَعّدَهُ ووعده الحق وقال لرسوله الكريم:( إن شانئك هو الأبتر) و( إنّا كفيناك المُستهزئين).

فالأردنيون الذين رفعوا أشهر مطربي العرب إلى عالم الشهرة، يملكون القدرة والإرادة والعقل، لإسقاط الحاكم الفاسد والظالم..فرفع الشعارات والعبارات وكتابة البوستات المستنكرة لتصريحات الرئيس الفرنسي مكرون، أولى بأن تُترجم إلى أفعال وتُوجّه إلى الإتّجاه الصحيح، وتبدأ من رأس الأفعى، والذئاب التي تربّت في أحضاننا…وقبل أن نقاطع المنتوجات الأجنبيّة، يجب أن نبدأ بصناعة منتوجاتنا، ويجب أن نحدد مواقفنا أولاً إنطلاقاً من مبدأ وعقيدة، وليس خوفاً من أحدٍ أو محاباة لأحد.. لماذا نقف بوجه فرنسا وحدها، في الوقت الذي فعلت فيه الصين أسوأ مما فعلت فرنسا؟! ولماذا لم نعاملها بنفس الطريقة؟! ربما رسم أوروبيون رسومات كاريكاتيريّة مستهزئين بالإسلام والنبي والمسلمين، لكن الصين مارست القمع، وأنتهكت حقوق وحُرّيّات 13 مليون مسلم من القوميّة التركيّة ( الإيغور)، في إقليم شينغ يانغ الذي إحتلّته الصين رسمياً عام 1949م، وفصلت الأولاد عن عائلاتهم،وإغتصبت النساء، وأنشأت معتقلات جماعيّة، وزجّت بأكثر من مليون اليغوري بها، لأنهم مسلمون وتمسّكوا بدينهم وثقافتهم. ماذا فعل البوذيون في بورما بملايين من البورميين الروهينغا المسلمين؟ ألم يذبحوهم كالشياه وبيعت لحومهم  بالأسواق البورمية، حتى أصبحت لحومهم وجبة يوميّة على موائد البورميين؟! ألم يفعل الأفارقة بجمهورية إفريقيا الوسطى ذات الفعل بالمسلمين؟

لماذا نكيل كشعوب ودول وحكومات ومنظمات بمكيالين؟ لماذا لا نقاطع البضائع الصينيّة كما قاطعنا البضائع الفرنسيّة؟ لماذا يقف حكام العرب صامتين، حيال ما يحدث في الصين، وينتقدون ويشجبون بورما؟ الإجابة طبعاً معروفة… فالصين دولة قويّة لا يجرؤ العرب على مواجهتها، في حين أن بورما دولة تقوم على هامش التأريخ والحضارة.

لماذا تقوم روسيا بقتل السوريين ولا نقف بوجهها، في الوقت الذي نقوم فيه بإغتيال إرادة وحق الشعب الليبي بحكم نفسه؟! ومن أكثر المفارقات التي رأيتها في العالم العربي، هو مشاركة دولاً عربيّة وإسلاميّة، بتوقيع رسالة موجّهة إلى مجلس حقوق الإنسان، التابع لمنظمة الأمم المُتحدة في العام المنصرم 2019م، مدافعين فيها عن سياسات الصين تجاه شعب الإيغور ، بما فيها جميع الدول الخليجيّة بلا إستثناء وعلى رأسها السعوديّة والإمارات، بالإضافة إلى مصر وسورية والجزائر والسودان والباكستان والصومال ودول مسلمة أخرى بلغ مجموعها 35 دولة، وقد توّجها قرار مشابه لمنظّمة العالم الإسلامي، وقد جرى ذلك في الوقت الذي قامت فيه 22 دولة غربية، بتوجيه رسالة مماثلة إلى نفس المجلس، تنتقد فيه السياسات الصينية تجاه شعب الإيغور ! وتطالب بمعاقبة الصين، وكان من بين هذه الدول فرنسا، التي نصطدم معها اليوم بشأن تصريحات رئيسها، بالإضافة إلى أستراليا وبلجيكا وكندا، والدنمارك وإستونيا وفنلندا، والمانيا والآيس لاند واليابان، ولاتفيا ولتوانيا وليكسمبرغ، ونيوزيلاندا والنرويج والسويد، وسويسرا وأيرلندا والنمسا وإسبانيا وبريطانيا!

لماذا خذلت الدول العربيّة والإسلاميّة شعب الإيغور  ووقفت بجانب الصين؟ والجواب على ذلك يبدو واضحاً وجليّاً، فقد خذلت هذه الدول الله والإسلام والنبي وشعوبها، قبل أن تخذل شعباً مسلماً آخر! فالمصالح الإقتصاديّة والثروة هو السبب الرئيس، الذي باع الحكام أنفسهم لأجله وباعوا شعوبهم…وهو السبب ذاته الذي باعوا لأجله فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة… فالطريقة لإستعادة عزّة ونفوذ الإسلام وكرامة العرب، لن تكون عن طريق حكام العرب وتمجيدهم والتعييش لهم، وإنما عكس ذلك، فمن إبتغى رضا الحكام بسخط الله، فليبشر  بسخط الله والذل والخذلان في الدنيا والآخرة… الكرة في ملعبكم كأفراد وجماعات وشعوب، وأنتم موقوفون أمام الله ومسؤولون عن كل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *