فلسفة الحُرّيّة والعبوديّة – الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

فلسفة الحُرّيّة والعبوديّة

د.عادل الكردي

عندما يتمكّن المرء من فهم قوانين الطبيعة فإنّه يكون قد إقترب من الله… ومتى عمل بإنسجام ٍ تام معها، يكون قد إزداد قرباً من الله وخشية منه، لأنّه قد بلغ أعلى درجات الوعي والإدراك لحقيقة وغاية وجوده كإنسان، من خلال إختزال الزمان والمكان والمجهول(الغيب) في قانون واحدٍ ” يُرَوْحِنَ” المادة، ويُؤكّد على عظمة وكمال الخالق وضعف المخلوق..! فروحنة المادة تُقوّي البصيرة، وتُمكّن العقل من إختراق الغيب، وإكتشاف الواقع في رحلتين وبإتجاهين معاكسين… رحلة عموديّة تسبر غور الذات البشريّة من خلال معرفة الله والمعيّة الإلهيّة.. ورحلة أفقيّة تبحث في العالم السفلي لترى الله من خلال الإنسان والطبيعة والوجود.. فالمرء يعاين الغيب بعين الله من خلال بصيرته ليستشعر الله في أعماقه، ويُدرك الحقيقة بعقله وقلبه من خلال وسائل العلم والتعلّم كالسمع والبصر والفؤاد والحس والشم والذاكرة..الخ.
عندما نتكلّم عن الحُرّيّة فإنّنا نعني التطوّر من مرحلة إلى مرحلة أخرى، أي التحرّر من قيودٍ وإملاءآت وإشراطاتٍ تمنع الكائن البشري من القيام بدوره الطبيعي وواجباته المنوطة به، حتى في عالم الأحياء الدقيقة يُغيّر الكائن من طبيعته الفسيولوجيّة والبيولوجيّة حتى يتمكن من التأقلم مع ظروف بيئيّة معيّنة، وتحت درجات حرارة مرتفعة تصل إلى درجة الغليان، أو تنخفض لتصل إلى أدنى درجات التجمّد.
فالحُرّيّة هي مجال واسع ورحب ، وهي بحثٌ في الوجود قبل أن تكون بحثاً في الوجوب..وهي بكينونتها تعتبر خروجاً على المألوف والروتين، وجميع أشكال الأنماط السلوكيّة المفروضة على أي مجتمع حي، تحكمه ضوابط طبيعيّة وبيئيّة من قبل الإنسان، من خلال سلطة ما، أو مجموعة معيّنة غالباً ما تعمل لخدمة فئة محدودة.
وعندما نقول” تحرّر” لا يجب أن يتبادر إلى الذهن عملية إنتقال سلسة، وإنّما حركةٌ وفعلٌ دؤوبين يحملان ظاهرة طبيعيّة مألوفة، تحمل شكلاً إنفصالياً مُعبّراً عن خلق ذات جديدةٍ، من خلال حدثٍ عظيم ٍ كإنفجار الذرّة مثلاً ( من باب التشبيه وليس الدلالة). وفي علم الأحياء الدقيقة فإنَّ هذا التطوّر يمكن أن يستغرق ثمانية قرون( 800سنة) من الزمان، ليتمكّن الكائن الحي (الفيروس) من خلال حركة بطيئة هادفة تفعيل الطاقة المخزونة والمقيدة بداخله، لإحداث التغيّر أو التطوّر المطلوب.
وكثيراً ما يستخدم العلماء مثال “البذرة والشجرة” للدلالة على العلاقة بين الحُرّيّة والعبوديّة (الحياة والموت)، حيث ترمز البذرة إلى العبوديّة بمعناها المطلق، لكونها رهينة قشرة خشبية مُتحجّرة، لتحافظ على مُكوّنات المادة الرئيسيّة (الشجرة) بداخلها، وبمعنى آخر الجسد والروح للنباتات، وبعض أنواع الأحياء الأخرى التي تتحوصل على نفسها.
تبدأ البذرة في عمليّة تحرّر شاقّة ودقيقة وبطيئة، من خلال تفعيل طاقتها المخزونة في الوقت الذي تتوفّر لها ظروف بيئيّة معيّنة، لتبدأ بتحطيم الحواجز والتحرك بإتجاهين معاكسين، معلنة بدأ عمليّة التحرّر لتحقيق ذاتها، من خلال عمليّة تجذيريّة تسير للأسفل وبشكل أفقي، لإكمال كينونتها بالتسلّق الرأسي للأعلى، وتقوية بناءها بالساق أو الجذع، ثم التفرّع بالأغصان ثم التورّق والإثمار، والتأقلم مع الظروف الطبيعيّة والبيئيّة الجديدة المتمثّلة بالمواسم الأربعة، للتأكيد على عملية وجودها وتطورها، والمحافظة على كينونتها وذاتها الجديدة، لأداء دورها الوظيفي خلال دورتها الطبيعيّة. وقد قال الفيلسوف اللبناني ندرة اليازجي: ” أنَّ مثال البذرة والشجرة يُرينا حقيقة الوجود في صورته الناصعة، فالشجرة ليست سوى بذرة تسعى لتحقيق وجودها، وليست البذرة إلّا شجرة في الإمكان”.
إذن، عمليّة التطوّر (التحرّر) هي حركة طبيعيّة مُلازمة للوجود، وخاصيّة تلقائيّة للبقاء في سياق عملية صراع البقاء، ضمن إستحقاقات الزمان والمكان والوجود والروح.. وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى جميع العناصر الكونيّة والخلقيّة من الجمادات والكائنات الحيّة، لتكون نوافذ للحياة وحوافز وأمثلة حيّة وواقعيّة ليتعلم منها الإنسان، أثناء تأديته وظيفته التي خلق لأجلها، قال تعالى:( فَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر) الغاشية: 17: 22.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين* ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ* وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طرائق وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافلين) المؤمنون (12ـ17).
وقد ذكر الفيلسوف والكاهن اليسوعي الجيولوجي الفرنسي بيير تيلار دي شاردان Pierre Teilhard de Chardin أن ” تطوّر الحياة قد مرَّ بمراحل كانت خلالها الحياة تكشف عن ذاتها بدرجات أعلى وأسمى، بفعل الطاقة الحيويّة المنطوية في المادة والفاعلة فيها” . وهذا يعني أن عمليّة التطوّر أو التحرّر تسير بخطّين متوازيين ومتداخلين، أحدهما مادي يُمثّل الأدوات والوسائل والظروف، والآخر معنوي يُمثّل العقل الذي هو وعاء النزعات والطموح والأمل وجميع ملكات الوعي الفكري. لكن العقل البشري يصطدم بصراع داخلي بين المادة والروح، ويتجاذب هذين الطرفين عوامل كثيرة، منها ما هو سلبي يعيق حركة التطوّر والتحرّر ، بحجّة البقاء أو أقل الضررين، ومنها ما هو إيجابي يتفاعل مع المتغيرات ويذلّل الصعاب بالطموح ،والعمل على أمل التحرّر والإنعتاق، والإنبعاث والسمو ، وتحقيق قانون الطبيعة من خلال إدراك ذاتها.
إذن ندرك أن الحُرّيّة هي ” وجود منغلق على ذاته، تغلّفه السلبية، وتسعى إلى عزلها عن المحيط الخارجي الملامس لقشرتها الخشبيّة أو حوصلتها البروتينيّة”… وهي ” وجوب ما يجب أن يكون من خلال السعي حثيثاً بحثاً عن الروح وأسباب الحياة”..وبذلك تكون الحُرّيّة حسب ما عرّفها الفيلسوف اليازجي:” فعل أخلاقي وعقلي وروحي”… وبما أن الإنسان هو مثال حي على ” حُرّيّة الوجود المادي” المُتمخّض عن “فكرته” الكامنة فيه، والمُتغلّفة بأنماط الحياة وأشكالها إنطلاقاً من العدم( الأدنى) متمثّلاً بذلك العبوديّة/ الظلام، إلى أن يبلغ الوجود(الأعلى) متمثّلاً بذلك الحُرّيّة/ النور، من الإنغلاق واللاوعي إلى الإنفتاح والإنبعاث والتحرّر والوعي والروح، وبما أن الإنسان مثال الوجود وحُرّيّته، فإنَّ الحقيقة السامية مثال الإنسان وحُرّيّته.
وينتقل الإنسان في رحلته الوجوديّة الماديّة وإنبعاثه الروحي والإدراكي، ليعود إلى نقطة البداية من جديد، في حركة متكرّرة تعيد الدورة الطبيعيّة إلى مكنوناتها الأصليّة “البذرة للمادة ” و”الخليّة للإنسان والكائنات الحيّة “، مُفصحة عن ذاتها بوعي وحُرّيّة، لتتحوّل البذرة إلى شجرة في رحلة التحقيق والإمكان.. وفي الوقت الذي إنتقلت فيه البذرة إلى أطوار مُختلفة ومحسوبة في البعدين الزماني والمكاني، فإنَّ الإنسان يبقى باحثاً عن كمال ٍ مرجوٍ بالروح والكيان والحقيقة، بين الطرفين المادي والمعنوي ليُشكّل كينونته، ويُفصح عن ذاته من جديد بعد أن يتحرّر من ظلمة رحم أمّه، منطلقاً إلى النور والوعي من خلال إدراك الوجود، والإرتقاء بالحُرّيّة وتجاوز حدود العبوديّة، التي فرضتها الدورة الطبيعيّة عليه، ومحطّماً قيود العبوديّة التي فرضها الإنسان على نفسه، من خلال الإنصياع لإرادته السلبيّة التي فرضها عليه الآخرون.
من هنا يبدأ الإنسان رحلته بين العبوديّة والحُرّيّة، تتجاذبه مجموعتان من الأنماط السلوكيّة الإيجابيّة والسلبيّة. ففي حين تتمثّل السلوك الإيجابيّة بجميع القيم الأخلاقية والخير ، وكل فعل حسنٍ يرتقي بالإنسان إلى أعلى الدرجات الإنسانيّة، كالحب والرحمة والتضحية والفضيلة عموماً، فإن النزعات الإنسانيّة القائمة على حب الذات (الأنانية)، والسلطة والسيطرة والتملّك، والكراهيّة والإنتقام والظلم، تعكس بعض الأنماط السلوكيّة السلبيّة التي تحكم المجتمعات الإنسانيّة عموماً، في جميع علاقاتها على مستوى الأفراد والجماعات والدول.
وبذلك يكون الإنسان أقرب إلى الحُرّيّة كلما أدرك حقيقة وغاية الوجود، وتمكن من التجرّد من أسباب السلبية التي تقصيه عن أخيه الإنسان، وبذلك تحرّره من قيود العبوديّة المُتمثّلة بإختزال الوجود بالمادة، وجعل وجود الإنسان غاية بحد ذاتها، للتعلّق بالمادة ( الأنماط السلبية)، وليس لتحقيق غاية الوجود. وهنا يعلق كثيرون في مصيدة صراع البقاء، وتصبح غاية الوجود تحقيق المتع الفرديّة كالمأكل والمشرب والتمتع برغد العيش والغرائز، ليتحوّل الإنسان إلى عبد ٍ لرغباته وشهواته ونزواته، ويصبح أقرب للحيوان من الإنسان. وفي الطرف الآخر نرى الإنسان الذي يُحرّر عقله وبطنه وفرجه من هذه الغرائز والشهوات، يسمو بفكره ويرتقي بوعيه، ويُحقّق حُرّيّته حتى لو كان بفقدان الروح (سبب الوجود) لتعلّقه بالوجود من منطلق مبدأ وواجب إنساني. وبذلك يمكن أن تتغلّب على الإنسان ماديّة الوجود، ويتحوّل إلى عبدٍ رهينٍ لنزواته وشهواته وغرائزه، حتى لو ملك أسباب النجاح والدعة والحُرّيّة الهيكليّة، التي تصبح مظهراً كمالياً لحياته اليوميّة، ويصبح منفيّاً في غُربة ذاتيّة، ووحدة فرضتها أنماط سلوكيّة سلبيّة كالأنانيّة وحب التملّك… أو عبوديّة فرضها عليه نظام سياسي أو سلطة ما، ليجد نفسه يُقنع نفسه بالرضا القليل والعصامية وطاعة ولي الأمر وعدم وجوب الخروج عليه…الخ.
وقدّ حدّد الفيلسوف اليازجي الأنماط السلوكية الإيجابيّة والسلبيّة في ثلاثة مراحل:
المرحلة الحتميّة: وفيها يخضع الإنسان لقوانين طبيعيّة ماديّة مجرّدة، ويكون في هذه المرحلة عبداً أسيراً لأنّيّته، وتكون سلوكياته إنعكاسات لا واعية أقرب للبهيميّة.
مرحلة العقلانيّة: وفيها يحاول الإنسان أن يملك أدوات الوعي والإدراك، ليصل إلى الحقيقة وسر وجوده، ويتحرّر من قيود المادة، وهذه هي مرحلة إعمال العقل بالوجود والوجوب والتعلّم.
المرحلة المعنويّة أو الروحيّة: وفيها يتحقق الوجوب بعد الإدراك، ويكتمل بالسمو والوعي، وفي هذه المرحلة يتكوّن الإنسان الحُر ، المتحرّر من جميع أشكال الأنّيّة، وتكون الحُرّيّة في هذه المرحلة غاية في حد ذاتها، يعمل على تحقيقها وحفظها وصيانتها في أوسع مجالاتها الإجتماعيّة، ليتخلّص من جميع أشكال العبوديّة والطبقيّة، ويساعد البشريّة على التحرّر من جميع أنماط السلوك السلبي كظلم الحُكّام للرعيّة، وتسلّط الأغنياء على الفقراء، والجنوح الإجتماعي العام.
ومن المؤسف أن نرى الإنسان لا يبذل قصارى جهده للتخلّص من مظاهر العبوديّة على الرغم من مقته الشديد لها، ومعرفته بأدبيات الثورة والتمرّد، ويقينه بفعاليتها كأدوات للخلاص والتحرّر، وربما يعود السبب في ذلك للصراع القائم بين الخير والشر ، هو تفاني السلطة بتشديد قواعد العبوديّة، من خلال التضييق على الحُرّيات، والتمادي بالقمع والإفراط بإستخدام العنف الممنهج، مستفيدين من التباين المادي والروحي في تشكيل النفس والذات وتكوين شخصيّة الفرد.
وقد توصّل العلماء لثلاثة أسباب رئيسيّة وراء فشل الإنسان في حماية حرّيّته منها:
عدم تأصّل مفهوم الحُرّيّة بالذات البشريّة، مما أتاح الفرصة أمام الدولة مصادرة هذا الحق، ورهنه بإشراطات وقيود وضعيّة من قبل السلطة، من شأنها تحديد الحُرّيّات، وبالتالي رضى الفرد بالحد المسموح به من قبل الدولة.
لم يكن مفهوم الحُرّيّة معبراً عن ذات الفرد بقدر ما كان إملاءً لإرادة السلطة.
ربط الحُرّيّة بأسباب البقاء والمعيشة اليوميّة، ومقايضتها بالطعام.
وكانت هذه الأسباب كفيلة بإدخال الشعوب في حالة من الجدل، بين مدافع عن مفهوم الحرّيّة وتقديمها على كافة الأسباب الأخرى، كونها حقاً شرعياً منحه الله للفرد، وبين مناصر ومؤيد لموقف الدولة المناهض للحرّيّة، وبالتالي فقد تنازل الإنسان طوعاً أو كرهاً عن كامل أو بعض حُرّيّته، وأصبح عبداً لأنماط سلوكيّة سلبيّة، تتبدّل بتبدّل مصالح وسياسات الدولة وولي الأمر، وهذا بحد ذاته زاد من إتّساع الهوّة بين أفراد الشعب الواحد، وتباين طبقاته وأطيافه وطبقاته الإجتماعيّة، القائمة على أساس المنفعة الخاصة، والقرب من صناعة القرار ، مما شوّه مفاهيم الحُرّيّة والولاء والإنتماء والواجب والمسؤوليّة، وبالتالي إختزال الحُرّيّة في حدود معيّنة وضيّقة، أقرب ما تكون كأقفاص طيور يُحدّد حجمها مالكها الذي أصبح بدوره يُحيي ويميت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *