زيارة روحاني للعراق تحت شعار "الإفلات" من عقوبات ترامب (تحليل) - الأردنية | الأردن المبتدأ والخبر

زيارة روحاني للعراق تحت شعار “الإفلات” من عقوبات ترامب (تحليل)

رائد الحامد

رائد الحامد/اسطنبول

تحاول إيران بذل ما يكفي من الجهود لمواجهة الآثار الاقتصادية للعقوبات الأمريكية أحادية الجانب وتداعياتها الداخلية عبر جولات خارجية وانفتاح أوسع على دول حليفة وصديقة، وأخرى تابعة بشكل ما، في سياق التنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ في المنطقة.

في زيارته الأولى للعراق، استغل الرئيس الإيراني حسن روحاني الموقع “الحرج” للحكومة العراقية في موازنة علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران لإثبات قوة ومتانة العلاقة معها التي “لا يمكن مقارنتها بعلاقات العراق مع دولة محتلة مثل أمريكا المكروهة في المنطقة”، وفق تصريحات قبيل مغادرته إلى العراق، الإثنين.

ويأتي توقيت الزيارة في ظل اتجاه حثيث نحو ركود اقتصادي تتفاقم حدته بمرور الأيام منذ إعادة الولايات المتحدة تفعيل العقوبات على إيران بعد انسحاب الرئيس الأمريكي من اتفاقية الملف النووي في أيار / مايو 2018 ودخول العقوبات على قطاع الطاقة حيز التنفيذ في نوفمبر / تشرين الثاني من نفس العام.

تضمنت اتفاقيات الجانبين قطاعات النفط والتجارة وخط سكة حديدية يربط مدينة البصرة مع إحدى المدن الإيرانية القريبة من الحدود بين البلدين، ووفقا لوسائل إعلام إيرانية فإن الجانبين اتفقا على مجانية تاشيرات سفر الإيرانيين إلى العراق، وهو ما لم تتحدث عنه الحكومة العراقية في حين قوبل الاتفاق بانتقادات واسعة في الأوساط الاجتماعية والسياسية، من بينهم أعضاء في مجلس النواب.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين إيران والعراق 12 مليار دولار يطمح البلدان لزيادته إلى 20 مليار دولار خلال سنتين.

ويعتمد العراق بشكل كبير على إيران في إمدادات الطاقة الكهربائية والغاز اللازم لتشغيل محطات العراق، وكلا من الكهرباء والغاز الإيرانيين يخضعان للعقوبات الأمريكية مع مهلة إعفاء مؤقتة للعراق.

ويحتل قطاع المعاملات المصرفية بين البلدين مساحة من اهتمام الرئيس الإيراني في مباحثاته مع المسؤولين العراقيين في سياق التخطيط المشترك للتعامل بعملتي اليورو والدينار العراقي في التبادلات المالية في محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية.

على الرغم من اقتراب انتهاء المهلة المحددة له من قبل الولايات المتحدة لايجاد بدائل عن حاجته من الكهرباء والغاز الإيرانيين، فإن العراق لا يزال بحاجة إلى المزيد من الوقت للاستغناء عن إيران.

وبعد أقل من شهر ستنظر الولايات المتحدة في مسالة تجديد إعفاءات العقوبات الأمريكية على إيران، ومن المرجح أن تستجيب الولايات المتحدة لطلبات العراق بتمديد تلك الإعفاءات من منطلق إعطاء واشنطن الأولوية للاستقرار الأمني والسياسي في العراق الذي من شأن إرغام العراق على الالتزام بالعقوبات الأمريكية خلق أزمة حادة في إمدادات الطاقة الكهربائية وإثارة المزيد من السخط في الأوساط الشعبية واحتمالات الانجرار إلى فوضى وأعمال عنف، كما سبق أن حدث في البصرة صيف العام الماضي.

كما أن الضغوطات الأمريكية يمكن أن تؤدي إلى إثارة القوى السياسية والمجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران ضد الوجود العسكري الأمريكي والمصالح الأمريكية في العراق، وفي المنطقة أيضا.

وكان لافتا زيارة حسن روحاني إلى مدينة النجف ولقائه مع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الذي، بحسب وسائل إعلام، طالبه بوجوب “احترام سيادة العراق وضبط سلاح الفصائل بيد الدولة” من إدراكه للتاثير الإيراني على تلك الفصائل التي ترفض الاستجابة لنداءات السيستاني ومسؤولي الحكومة الاتحادية بضرورة نزع سلاحها وادماجها في القوات الأمنية، وهو ما ترفضه قيادات الفصائل التي باتت “قوة الأمر الواقع” على غرار قوة ونفوذ حزب الله اللبناني الحليف الآخر لإيران.

في جانب مهم من محادثات الرئيس الإيراني بالعراق فانها تتعلق على ما يبدو بحث أو الضغط على العراق لعدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية، وهناك ثمة مواقف لمسؤولين عراقيين مؤيدة للرغبة الإيرانية.

أما الجانب الأهم، وفقا لوسائل إعلام، فإن الرئيس الإيراني أعطى أولوية خاصة لما يتعلق بقرار الرئيس الأمريكي بقاء جنود بلاده في العراق لمراقبة النشاطات الإيرانية ونشاطات القوات الحليفة لها، وهو ما ترى إيران انه يشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي وحرية نشاطاتها لدعم القوات الحليفة لها عبر الممر البري من إيران عبر الأراضي العراقية إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهو العامل الأهم في إنفاذ مشروعها الذي لا تزال تعمل عليه منذ أربعة عقود.

وخلال وجود الرئيس الإيراني في العراق، الثلاثاء، أكد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أن بلاده أبلغت الولايات المتحدة بأولويات العراق في ما يتعلق بالتواجد العسكري الأجنبي”.

وتحاول إيران استثمار الأجواء “الودية” لزيارة حسن روحاني في جعل العراق بوابة “الإفلات” أو على الأقل التخفيف من وطأة العقوبات الأمريكية بفتح الأسواق العربية للسلع الإيرانية عبر العراق وضمان موقفه من عدم السماح للولايات المتحدة باستخدام العراق قاعدة انطلاق لـ “العدوان” على إيران، وبقاء البيئة العراقية مؤاتية للممر البري الإيراني إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط.

في مقابل ذلك، تحاول الولايات المتحدة استثمار وجود جنودها في العراق وحاجة القوات الأمنية للتدريب والتسليح والدعم اللوجستي في تنفيذ سياسة الرئيس الأمريكي في جعل العراق محطة “لمراقبة النشاطات الإيرانية والقوات الحليفة لها”.

إلا أن العراق، ووفقا لتصريحات مسؤولين، يطمح لبناء شبكة مترابطة من المصالح مع جميع دول الجوار، تركيا وإيران والدول العربية والخليجية تعتمد على الاستثمار في الموقع الجغرافي لبناء منظومة إقليمية تعززها شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة وخطوط أنابيب النفط والغاز ومناطق التجارة الحرة والشراكة في مكافحة الإرهاب والتحديات المشتركة.

ومن بين أهم أهداف العقوبات الأمريكية تحجيم قدرات إيران المالية وبالتالي وقف دعم القوى الحليفة لها في المنطقة وإضعافها على طريق إنهاء النفوذ الإيراني بالكامل؛ إلا أن زيارة الرئيس الإيراني جاءت بنتائج عكسية إذ فتحت الأبواب واسعة أمام تعزيز قدراتها الاقتصادية وتعزيز نفوذها في المجتمعات المحلية الشيعية والسنية على حد سواء في المنطقة.

وبدت ردود الأفعال الأمريكية على زيارة روحاني “ضعيفة” أو حتى لا مبالية على الرغم من تصريحات لمسؤولين إيرانيين بان هذه الزيارة “ضربة قوية” للولايات المتحدة.

في الحقيقة، فان زيارة حسن روحاني أبرزت بشكل جلي واقع النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة وقوته في توقيت جوهري يتزامن مع الهزيمة العسكرية الكاملة لتنظيم داعش في “الجيب الأخير” له في شرق سوريا وما ستخلفه هذه الهزيمة من فراغ تجيد إيران دون غيرها ملأه بطرق متعددة من سالف تجربة الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية عام 2011 والدخول الإيراني المكثف لفرض الأمر الواقع في العراق.

ستؤسس زيارة حسن روحاني التي وصفها مسؤولون إيرانيون بأنها زيارة “تاريخية” لمرحلة جديدة من التعاون والتنسيق بين البلدين بما يتعدى القطاع الاقتصادي إلى المواقف السياسية المتناغمة من الملفات الشائكة مثل الوجود الأمريكي في العراق وما يتعلق بالعقوبات الأمريكية أحادية الجانب على إيران وملفات أخرى تدفع العراق بعيدا عن الدوران في الفلك الأمريكي بما يعني انحسار دور الولايات المتحدة في العراق وفي المنطقة أيضا لصالح تعزيز النفوذ الإيراني.



اترك رداً